الدولة الاجتماعية.. بين هشاشة البرامج وأسطوانة خطاب أخنوش المشروخة

بشرى عطوشي 

تسير وتيرة تنزيل ورش “الدولة الاجتماعية” في المغرب على إيقاع لا يوازي سقف التطلعات التي رسمها الملك محمد السادس، حيث كان الرهان واضحًا: الانتقال السريع من سياسات اجتماعية متفرقة إلى منظومة حماية شاملة تُحسّن عيش المواطنين بشكل ملموس. غير أن ما يظهر في الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا حول مدى قدرة الحكومة على تحويل هذا التوجيه الاستراتيجي إلى نتائج يومية محسوسة.

منذ الإعلان عن تعميم الحماية الاجتماعية وإطلاق الدعم المباشر للأسر، انتظر المواطن أثرًا واضحًا يخفف ضغط المعيشة، لكن المؤشرات الميدانية تقول شيئًا آخر. الأسعار تواصل الارتفاع، والقدرة الشرائية تتآكل، بينما يظل أثر البرامج الاجتماعية محدودًا في حياة فئات واسعة. هذا التباين بين الخطاب والواقع يعمّق الإحساس بأن التنفيذ يسير ببطء لا ينسجم مع طبيعة الورش، الذي يفترض فيه الاستعجال والنجاعة.

في المقابل، يواصل رئيس الحكومة عزيز أخنوش تقديم حصيلة يعتبرها إيجابية، متحدثًا عن أرقام ومؤشرات توحي بتحقيق تقدم ملحوظ. غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها التقنية، لا تعكس بالضرورة التحول الحقيقي في معيش المواطن. فنجاح الدولة الاجتماعية لا يُقاس بعدد المستفيدين المسجلين في الأنظمة، بل بمدى تحسن جودة الحياة وانخفاض هشاشة الأسر، وهو ما لا يزال دون المستوى المنتظر.

أحد أبرز مظاهر التعثر يكمن في غياب الانعكاس المباشر للإصلاحات على السوق. فاستمرار اختلالات سلاسل التوزيع وهيمنة الوسطاء يفرغان أي دعم اجتماعي من مضمونه، ويجعلان المواطن يدفع كلفة مضاعفة، مرة عبر الضرائب ومرة عبر الأسعار. كما أن ضعف آليات المراقبة يطرح تساؤلات حول جدية مرافقة الإصلاحات بإجراءات ميدانية صارمة.

إلى جانب ذلك، يبرز إشكال التواصل كعامل مؤثر في تشكيل الرأي العام. فالحكومة لم تنجح في إقناع المواطن بجدوى اختياراتها، بل على العكس، يتنامى شعور بأن الخطاب الرسمي يميل إلى تضخيم النتائج بدل تفسير التحديات بوضوح. هذا الخلل في التواصل لا يقل خطورة عن بطء التنفيذ، لأنه يضعف الثقة في مشروع يفترض أن يكون جامعًا.

واقع الحال يشير إلى أن ورش الدولة الاجتماعية دخل مرحلة حساسة، حيث لم يعد كافيًا الإعلان عن البرامج أو تقديم الأرقام، بل أصبح المطلوب هو إحداث أثر فعلي يعيد الثقة ويؤكد أن التحول الاجتماعي ليس مجرد شعار. فالفجوة بين الطموح الملكي والتنزيل الحكومي، إن استمرت، قد تُفرغ المشروع من زخمه وتحوّله إلى مجرد إطار نظري غير قادر على تحقيق أهدافه.

وخثاما، فلا يتعلق الأمر بنفي الجهود المبذولة، بل بطرح سؤال النجاعة والسرعة والصدق في عرض الحصيلة. فالدولة الاجتماعية، كما رُسمت معالمها، ليست مشروعًا قابلاً للتأجيل أو التجميل الخطابي، بل التزامًا سياسيًا وأخلاقيًا يفرض على الحكومة الارتقاء من منطق التدبير إلى منطق الأثر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى