فوضى تحت قبة البرلمان.. شد وجذب بين الشطيبي ونواب الأصالة والمعاصرة

حسين العياشي

سجّلت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، اليوم الإثنين، توتراً غير مسبوق بعدما تحولت من فضاء لمساءلة السياسات العمومية إلى ساحة سجال مفتوح حول حدود تدبير النقاش البرلماني، إثر تدخلات حادة لنائب رئيس المجلس إدريس الشطيبي، فجّرت موجة احتجاج داخل القاعة.

بدأت شرارة الجدل من سؤال وجّهه النائب عبد الرحيم واعمرو، عن فريق الأصالة والمعاصرة، إلى وزير التجهيز والنقل نزار بركة، حول ضرورة برمجة عدد من الأودية ضمن مشاريع السدود، وعلى رأسها واد غداد بجماعة سيدي رحال بإقليم السراغنة، حيث تضيع كميات مهمة من مياه الأمطار في الوقت الذي تعاني فيه جماعات مجاورة من خصاص حاد في الماء الصالح للشرب. غير أن هذا السؤال، الذي حمل أبعاداً تنموية واجتماعية واضحة، سرعان ما وُوجه بموقف متشدد من رئاسة الجلسة.

ففي لحظة بدت مفصلية، تدخّل الشطيبي بلهجة صارمة، معتبراً أن مثل هذه الأسئلة ذات الطابع المحلي لا تنسجم مع طبيعة جلسة الأسئلة الشفوية، داعياً إلى التقيد الصارم بموضوع الجلسة وعدم الخروج عن الإطار المحدد لها. غير أن هذا التدخل، بدل أن يضبط إيقاع النقاش، فتح الباب أمام موجة من الاعتراضات، رأت فيه محاولة لتضييق مجال النقاش البرلماني وتقليص هامش التفاعل مع قضايا المواطنين.

التوتر بلغ ذروته حين حاول النائب عبد الرحيم بوعزة، عن الفريق نفسه، التدخل في إطار نقطة نظام دفاعاً عن زميله، غير أن رئيس الجلسة رفض في البداية منحه الكلمة، قبل أن يتراجع تحت ضغط الاحتجاجات ويمنحه حق التدخل، في مشهد عكس حجم الارتباك الذي طبع تدبير الجلسة.

بوعزة لم يخفِ انزعاجه من الطريقة التي أُدير بها النقاش، ووجّه انتقادات مباشرة لرئاسة الجلسة، معتبراً أن ما جرى لا يعكس صورة إيجابية عن المؤسسة التشريعية أمام المواطنين. وأكد أن مسألة برمجة الأسئلة، بما فيها تلك ذات الطابع المحلي، تقع ضمن اختصاص مكتب المجلس، وليس من صلاحيات رئاسة الجلسة إثارة هذا النقاش داخل الجلسة العامة. وشدد على أن أي إشكال مرتبط بجدولة الأسئلة كان ينبغي أن يُطرح داخل اجتماعات المكتب قبل إدراجها في الجلسة، لا أن يتحول إلى موضوع مواجهة علنية.

وختم النائب تدخله بدعوة صريحة إلى احترام القانون والنظام الداخلي، في إشارة واضحة إلى ما اعتبره تجاوزاً في ممارسة صلاحيات تسيير الجلسة.

في المقابل، لم يتراجع الشطيبي عن موقفه، بل ردّ على الانتقادات بتشديده على أنه يسهر على تطبيق النظام الداخلي وضمان احترام ضوابط النقاش، معتبراً أن دوره لا يقتصر على التسيير الشكلي، بل يمتد إلى تقويم الممارسة البرلمانية. وذهب أبعد من ذلك حين استحضر التوجيهات الملكية الواردة في رسالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الستين لإحداث أول برلمان منتخب، والتي دعت إلى تجويد أداء النخب السياسية، معتبراً أن بعض الممارسات داخل المجلس تساهم في تراجع مستوى النقاش.

غير أن استدعاء هذا المرجع لم يُطفئ الجدل، بل زاد من حدته، إذ اعتبر عدد من النواب أن الحديث عن “تخليق الحياة البرلمانية” لا يمكن أن يكون مبرراً لتقييد النقاش أو تصنيفه بين ما هو “مقبول” و”غير مقبول”، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا ترتبط مباشرة بحياة المواطنين وانتظاراتهم.

وبين خطاب يدعو إلى الانضباط المؤسسي وواقع برلماني يطالب بهامش أوسع للتعبير، كشفت هذه الواقعة عن توتر عميق داخل المؤسسة التشريعية، يتجاوز مجرد خلاف إجرائي ليطرح سؤالاً أكبر حول طبيعة النقاش البرلماني وحدود السلطة التقديرية لرئاسة الجلسات، في وقت تتزايد فيه الانتظارات المجتمعية من البرلمان كفضاء حقيقي لنقل هموم المواطنين والدفاع عن قضاياهم.

وفي خلفية هذا السجال، يبرز تناقض واضح بين الرغبة في الارتقاء بجودة الأداء البرلماني، وبين ممارسات يرى فيها بعض النواب مساهمة في خفض منسوب الثقة داخل المؤسسة، ما يجعل النقاش حول “جودة النخب” نفسه موضوع مساءلة، وليس فقط أداة لتقييم الآخرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى