مواقع التواصل الاجتماعي..هل هي أداة دعم وتفريغ أم عامل يفاقم الهشاشة النفسية؟

بشرى عطوشي
تحليل_ تتسم في السياق الإجتماعي المغربي الاضطرابات النفسية بدرجة عالية من الكتمان والوصم، وبرزت مع هذا وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء تواصلي بديل يُمكّن الأفراد من التعبير عن معاناتهم خارج الأطر التقليدية، غير أن هذا التحول الرقمي، رغم ما يحمله من إمكانات، يطرح إشكاليات مركبة تتعلق بطبيعة تأثيره على الصحة النفسية: هل يشكّل أداة دعم وتفريغ، أم عاملاً مفاقماً للهشاشة النفسية؟
تعكس المؤشرات المتاحة وجود اختلالات بنيوية في منظومة الصحة النفسية بالمغرب، أبرزها الخصاص الحاد في الموارد البشرية المتخصصة، مقابل طلب متزايد على خدمات الدعم والعلاج، كما تستمر التمثلات الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي في تكريس سلوكيات الإنكار والتأجيل، حيث يتم تأويل عدد من الاضطرابات ضمن أطر ثقافية غير طبية، ما يحدّ من اللجوء إلى المتخصصين.
في هذا الإطار، أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل النقاش العمومي حول الصحة النفسية، فقد ساعدت على تقليص حدة الوصمة الاجتماعية، من خلال إتاحة المجال لتداول التجارب الشخصية ونشر محتوى توعوي مبسط، غالباً ما يقدمه مختصون أو مهتمون بالمجال.
كما أفرزت هذه المنصات أشكالاً جديدة من الدعم الجماعي الافتراضي، حيث يتقاسم الأفراد تجاربهم ويجدون نوعاً من الاعتراف المتبادل الذي يخفف من الشعور بالعزلة.
غير أن هذا التحول لا يخلو من آثار جانبية، فبنية المنصات الرقمية، القائمة على تعظيم التفاعل والانتباه، قد تدفع إلى استهلاك مكثف لمحتوى ذي طابع سلبي، خاصة بالنسبة للأفراد الذين يعانون من هشاشة نفسية، كما أن ظاهرة المقارنة الاجتماعية، الناتجة عن التعرض المستمر لأنماط حياة مثالية أو منتقاة، تساهم في تعزيز مشاعر القلق وعدم الرضا، خصوصاً لدى الفئات الشابة.
من جهة أخرى، يبرز إشكال التشخيص الذاتي كأحد التحديات الناشئة، حيث يعتمد بعض المستخدمين على محتويات مختصرة لتحديد حالات نفسية معقدة، دون الاستناد إلى تقييم سريري متخصص، هذا السلوك قد يؤدي إلى بناء تصورات غير دقيقة حول الذات، ويؤثر سلباً على مسار طلب العلاج أو الالتزام به.
تتخذ هذه الإشكاليات بعداً خاصاً في السياق المغربي، الذي يتميز بتحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة، تُنتج أنماطاً جديدة من الضغوط النفسية، خاصة في أوساط الشباب، في ظل هذا الواقع، تُصبح وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً مزدوج الوظيفة: فهي من جهة قناة للتعبير والتفريغ، ومن جهة أخرى مصدر محتمل لإعادة إنتاج التوترات النفسية.
بناءً على ذلك، لا يمكن اختزال دور هذه الوسائل في بعد واحد، بل ينبغي مقاربتها ضمن رؤية مركبة تأخذ بعين الاعتبار تفاعل العوامل الفردية والتقنية والاجتماعية، كما أن فعاليتها تظل محدودة في غياب منظومة صحية نفسية متكاملة، قادرة على الاستجابة للحاجيات المتزايدة.
ومراجعة لكل هذ الإشكالات، يظل تطوير سياسات عمومية فعالة في مجال الصحة النفسية أمراً ضرورياً، من خلال تعزيز الموارد البشرية، وتوسيع نطاق الولوج إلى الخدمات العلاجية، والعمل على تقليص الوصمة الاجتماعية. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فرغم أهميتها، تبقى أداة مرافقة لا يمكن أن تعوّض التدخل المهني المباشر، ما لا يحتمل الجدل هو أن الفضاء الرقمي لن يعوّض مهما تطوّر طبيباً نفسياً يسمعك ويُرافقك في رحلة الشفاء.
وما لا يحتمل التأجيل هو أن تضع الحكومة الصحة النفسية بين أولوياتها الفعلية لا الخطابية: بزيادة الكوادر المتخصصة، وإدراج العلاج النفسي ضمن منظومة التغطية الصحية AMO، وإطلاق خطوط دعم نفسي مجانية تصل إلى ما لا تصله المنصات.
وسائل التواصل الاجتماعي فتحت باباً كان موصداً، لكن الدخول الحقيقي إلى الشفاء يستلزم ما هو أعمق من منشور أو مقطع فيديو.





