الولوجيات داخل البرلمان حين تختبر البنية صدق المساواة (ملف)

فاطمة الزهراء ايت ناصر
قبل شهر رحلت النائبة البرلمانية نزهة أبا كريم إلى دار البقاء، بعد مسار صحي صعب حد من قدرتها على مواصلة حضورها المنتظم لأشغال مجلس النواب خلال سنواتها الأخيرة.
وأعادت هذه الوضعية إلى الواجهة نقاشا مؤسساتيا حول إشكالية الولوجيات داخل قاعة الجلسات العامة، باعتبارها فضاء تشريعيا يفترض أن يكون نموذجا في احترام شروط الكرامة والمساواة في الولوج.

وخلال الفترة التي سبقت وفاتها، واجهت النائبة الراحلة صعوبات متكررة في التنقل داخل بناية البرلمان، في ظل غياب تهيئة كافية ومتكاملة لولوج القاعة الرئيسية بشكل مستقل وسلس، وهو ما جعل حضورها للجلسات، رغم حرصها على أداء مهامها التمثيلية، يطرح من جديد سؤال مدى ملاءمة البنية المؤسساتية مع مختلف الحالات الصحية والحركية للبرلمانيين، في إطار احترام فعلي لمقتضيات الولوجيات كما ينص عليها القانون.

إلى أي حد نجح المغرب في تنزيل حق الولوجيات داخل المؤسسات العمومية، خاصة داخل المؤسسة التشريعية؟
في 16 ماي 2023، فجر الفريق الاشتراكي ـ المعارضة الاتحادية هذا الملف تحت قبة البرلمان، بعدما احتج على ما وصفه بغياب الولوجيات داخل بناية المجلس، معتبرا أن الأمر يشكل تمييزا في حق الأشخاص في وضعية إعاقة.
وكشف رئيس الفريق، عبد الرحيم شهيد، حينها أن النائبة الراحلة لم تتمكن لمدة ستة أشهر من الولوج بشكل عادي إلى قاعة الجلسات العامة، موضحا أن حضورها كان يتحول إلى عملية مهينة بسبب اضطرار أربعة أشخاص لحملها إلى مقعدها داخل القاعة.

وفي تواصل “إعلام تيفي” مع النائب البرلماني عبد الرحيم شهيد، أكد أن الراحلة عانت كثيرا وحرمت من ممارسة عملها البرلماني بسبب غياب الولوجيات داخل بناية البرلمان، مضيفا أن الإشكال يرتبط بطبيعة البناية القديمة التي تحتاج، بحسبه، إلى دراسة هندسية حقيقية وإعادة تهيئة شاملة لضمان ولوجيات فعلية.
وأوضح أن الفريق سبق أن تقدم بشكاية رسمية بخصوص هذا الموضوع دون تلقي أي تجاوب إلى حدود اليوم، مشيرا إلى أن بعض الولوجيات متوفرة على مستوى الطابق الأرضي فقط، في حين تبقى باقي المرافق غير مهيأة بالشكل المطلوب.
“طبيعة البناية القديمة للبرلمان تفرض اليوم دراسة هندسية حقيقية وإعادة تهيئة شاملة لضمان ولوجيات فعلية.”
عبد الرحيم شهيد
وشدد شهيد على أن الأمر لا يتعلق بحالة فردية فقط، بل بإشكال بنيوي يهم عددا من البنايات العمومية القديمة التي لم تكن تراعي معايير الولوجيات عند تشييدها، مؤكدا أن معالجة هذا الوضع ليست مستحيلة إذا توفرت إرادة حقيقية للإصلاح.
كما اعتبر أن القانون المغربي لا يمنع الأشخاص في وضعية إعاقة من الولوج إلى مراكز القرار أو ممارسة المسؤوليات التمثيلية، غير أن الإشكال المطروح، حسب تعبيره، يرتبط أحيانا بضعف التزكيات الحزبية، وأحيانا أخرى بغياب الظروف الملائمة داخل المؤسسات نفسها.

وفي تصريح سابق، كانت الراحلة قد كشفت تفاصيل المعاناة التي عاشتها داخل البرلمان، مؤكدة أنها خلال ستة أشهر من الغياب بسبب وضعها الصحي لم تتوصل بأي تواصل من إدارة المجلس للاستفسار عن وضعها، رغم أنها كانت تدلي بالشواهد الطبية اللازمة، كما أوضحت أنها راسلت، عبر الفريق الاشتراكي، رئيس مجلس النواب معبرة عن استعدادها للحضور حتى على كرسي متحرك، مقابل توفير مسار يسهل ولوجها إلى مختلف القاعات، غير أنها فوجئت بعد حضورها بأن مسألة الولوجيات لم تعالج بالشكل المفروض.
وأكدت الراحلة حينها أن المشكل لا يتعلق بالكرسي المتحرك في حد ذاته، بل بغياب ولوجيات ثابتة ودائمة داخل البرلمان، معتبرة أن توفير هذه الترتيبات لا ينبغي أن يكون تحت الطلب، بل جزءا من البنية العادية للمؤسسة باعتبارها مرفقا عموميا.
“المشكل لا يتعلق بالكرسي المتحرك، بل بغياب ولوجيات ثابتة ودائمة داخل البرلمان.”
النائبة الراحلة نزهة أبا كريم
كما شددت على أنها واصلت أداء مهامها البرلمانية عن بعد وتتبع الجلسات رغم ظروفها الصحية، معبرة عن أسفها لعدم توفير الظروف المناسبة التي تمكنها من ممارسة مهامها بشكل طبيعي، وداعية إلى تدخل عاجل لتدارك هذا الخلل عبر توفير اعتمادات مالية وحلول عملية تضمن ولوجا حقيقيا ودائما للجميع.
لا يتعلق ملف الولوجيات داخل البرلمان بحالة فردية معزولة، بل يكشف عن إشكال أوسع مرتبط بمدى احترام المؤسسات العمومية لمقتضيات القانون رقم 10.03 المتعلق بالولوجيات، خاصة داخل البنايات القديمة التي لم تصمم أساسا وفق معايير تضمن سهولة الولوج للأشخاص في وضعية إعاقة.
وقد أعادت تجربة النائبة الراحلة نزهة أبا كريم تسليط الضوء على هذا الخلل، بعدما تحولت معاناتها اليومية داخل مجلس النواب إلى موضوع نقاش سياسي وحقوقي واسع، في هذا السياق أكدت مصادر برلمانية أن مجلس النواب يتوفر بالفعل على بعض الولوجيات الخاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة، غير أنها غير كافية ولا تستجيب بالشكل المطلوب لاحتياجات هذه الفئة، مشيرة إلى أن النائبة الراحلة كانت تضطر أحيانا إلى الاستناد إلى زملائها من أجل الوصول إلى مقعدها داخل قاعة الجلسات العامة، وقد أثار هذا المشهد موجة تضامن واسعة داخل المؤسسة التشريعية، باعتباره وضعا يمس بصورة البرلمان وبمبدأ الكرامة داخل مؤسسة يفترض أن تجسد احترام الحقوق الأساسية.
وفي تواصل “إعلام تيفي” مع مجلس النواب، ساءلت الجريدة المؤسسة التشريعية حول الإجراءات العملية التي تم اتخاذها منذ الجدل الذي أثير سنة 2023 بشأن معاناة الراحلة نزهة أبا كريم داخل البرلمان، وذلك من أجل تفادي تكرار مثل هذه الوضعية مستقبلا مع أي نائب برلماني.
وفي هذا السياق، أكد محمد صباري، النائب الأول لرئيس مجلس النواب وعضو حزب الأصالة والمعاصرة، أن المجلس عمل خلال السنوات الأخيرة على توفير عدد من الولوجيات داخل مختلف مرافق البرلمان، موضحا أن أغلب الفضاءات، بما فيها المصاعد وممرات التنقل، أصبحت تتوفر على تجهيزات تسهل ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة.
غير أن صباري أقر في المقابل باستمرار الإشكال على مستوى قاعة الجلسات العامة، مشيرا إلى أن طبيعة البناية القديمة والهندسة المعمارية الخاصة بها تجعل عملية تهيئتها أكثر تعقيدا، وأضاف أن هذا الملف لم تتم معالجته بشكل كامل إلى حدود اليوم، رغم الوعي القائم بأهمية توفير ولوجيات حقيقية داخل القاعة الرئيسية للمجلس، مؤكدا أن الموضوع سيطرح داخل مكتب المجلس من أجل البحث عن حلول عملية تضمن إدماج هذه الولوجيات مستقبلا، بما يحفظ كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة ويسهل مشاركتهم داخل المؤسسة التشريعية.
ويكتسي هذا النقاش بعدا قانونيا كذلك، بالنظر إلى أن المادة السادسة من القانون رقم 10.03 تنص بشكل واضح على ضرورة تهيئة البنايات المفتوحة للعموم بشكل يلائم استعمالها من قبل الأشخاص المعاقين، مع ضمان سهولة الولوج عبر مسلك آمن، إضافة إلى توفير تجهيزات وخدمات ملائمة داخل هذه الفضاءات، كما يعتبر القانون أن الولوج لا يقتصر فقط على الدخول إلى البناية، بل يشمل القدرة على التنقل داخلها واستعمال مختلف مرافقها بشكل طبيعي ومستقل.

ورغم مرور أكثر من عشرين سنة على صدور هذا القانون، ما تزال العديد من المؤسسات العمومية، بما فيها بعض الفضاءات التشريعية والإدارية، تواجه صعوبات في تنزيل مقتضياته بشكل كامل، خصوصا في ما يتعلق بإعادة تهيئة البنايات القديمة.
في هذا السياق، اعتبر بلال لمراوي، الباحث في القانون العام، أن القانون 10.03 المتعلق بالولوجيات لا يندرج ضمن إطار تقني صرف، بل يؤسس لحق أساسي يرتبط بالكرامة الإنسانية والمساواة في الاستفادة من خدمات المرافق العمومية، كما يكرسه الدستور.

وأضاف أن مقتضيات القانون، كما تم تحيينه سنة 2016، تنص أيضا على توفير وسائل المساعدة التقنية للأشخاص ذوي الإعاقات البصرية والسمعية، بما يضمن استفادتهم الفعلية من الخدمات العمومية دون حواجز، إلى جانب تخصيص أماكن لركن السيارات وتدابير عملية أخرى تجسد مبدأ تكافؤ الفرص وعدم التمييز.
غير أن لمراوي سجل مفارقة عملية عند إثارة هذا الموضوع داخل المؤسسة التشريعية نفسها، معتبرا أن البرلمان، باعتباره الجهة المنتجة للتشريع والمكلفة بمراقبة تنزيله، يفترض أن يكون أول فضاء يجسد مقتضيات قانون الولوجيات بشكل نموذجي.
فاحترام هذه المعايير داخل البرلمان، حسب قوله، لا ينبغي أن يظل التزاما رمزيا، بل يجب أن يتحول إلى إجراءات ملموسة تضمن لممثلي الأمة في وضعية إعاقة ممارسة مهامهم التشريعية والرقابية في ظروف تحفظ كرامتهم وتكفل مساواتهم مع باقي الأعضاء.
وشدد الباحث ذاته على أن تعزيز الولوجيات داخل المؤسسات الدستورية يبعث برسالة سياسية وقانونية قوية مفادها أن إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة ليس امتيازا أو مجاملة، بل حق أصيل يندرج ضمن مقومات دولة الحق والقانون.
“الولوجيات داخل البرلمان ليست مسألة تقنية، بل معيار لمدى احترام المؤسسة التشريعية لمبدأ دولة الحق والقانون.”
بلال لمراوي
فمدى احترام البرلمان نفسه لمعايير الولوج الشامل يشكل، في نظره، مؤشرا على جدية الدولة في الانتقال من النص إلى الفعل، ومن الاعتراف النظري بالحقوق إلى ضمان ممارستها الفعلية على قدم المساواة.

تعد الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة من أبرز المرجعيات الحقوقية الدولية التي كرست مقاربة جديدة للإعاقة، تقوم على اعتبار الأشخاص في وضعية إعاقة مواطنين كاملي الحقوق، وليسوا موضوعا للرعاية أو الإحسان فقط.

وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه الاتفاقية سنة 2006، قبل أن يصادق عليها المغرب سنة 2009، في خطوة شكلت التزاما رسميا بملاءمة التشريعات والسياسات العمومية الوطنية مع مبادئها الأساسية، وترتكز الاتفاقية على مبادئ محورية من بينها احترام الكرامة الإنسانية، وعدم التمييز، وتكافؤ الفرص، والمشاركة الكاملة والفعالة داخل المجتمع، إضافة إلى ضمان إمكانية الوصول باعتبارها حقا أساسيا يضمن للأشخاص في وضعية إعاقة الولوج إلى الفضاءات والخدمات والمؤسسات على قدم المساواة مع الآخرين.
كما ساهمت الاتفاقية في إحداث تحول على مستوى فهم مفهوم الإعاقة، إذ لم تعد تختزل في الوضع الصحي أو الجسدي للفرد، بل أصبحت مرتبطة أيضا بالحواجز البيئية والمعمارية والتنظيمية التي تعيق مشاركته الكاملة داخل المجتمع، وانطلاقا من هذا التصور، أصبح من واجب الدول الأطراف اتخاذ تدابير عملية لتأهيل البنيات التحتية والخدمات العمومية، وضمان ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى التعليم والعمل والنقل والمشاركة السياسية دون عوائق.
وفي هذا الإطار، يندرج القانون المغربي رقم 10.03 والقانون الإطار 97.13 ضمن محاولات ملاءمة التشريع الوطني مع مقتضيات الاتفاقية، غير أن العديد من التقارير الحقوقية ما تزال تسجل استمرار فجوة بين النص القانوني والتنزيل الواقعي، خاصة في ما يتعلق بالولوجيات داخل المؤسسات العمومية والبنايات القديمة.
في تفاعله مع موضوع المشاركة السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة، شدد إلياس الحافر، عضو حزب الاستقلال وإطار بوزارة الصناعة والتجارة، على أن الرهان الحقيقي لم يعد مرتبطا فقط بوجود ترسانة قانونية متقدمة، بل بمدى تفعيلها على أرض الواقع، خصوصا داخل المؤسسة التشريعية.

واعتبر الحافر أن دستور 2011، من خلال الفصلين 19 و34، وضع الأساس الدستوري لمقاربة قائمة على المساواة وعدم التمييز، غير أن هذا الأساس يحتاج إلى ترجمة عملية تضمن ولوجا فعليا للأشخاص في وضعية إعاقة إلى مختلف مستويات الفعل السياسي.
كما ذكّر بالتزامات المغرب الدولية، خاصة بعد مصادقته سنة 2009 على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تنص في مادتها 29 على ضمان المشاركة السياسية في ظروف متساوية.
وفي هذا السياق، أبرز أن الإشكال الأكبر لا يكمن في غياب النصوص، بل في ضعف التنزيل، سواء فيما يتعلق بالقانون الإطار 97.13 أو بقانون الولوجيات 10.03 الذي تم تحيينه سنة 2016.
“لدينا ترسانة قانونية متقدمة، لكن الإرادة في التفعيل ما تزال دون مستوى الطموح.”
إلياس الحافر
فغياب مراسيم تطبيقية واضحة، وعدم فرض معايير ملزمة لتهيئة الفضاءات العمومية ومراكز الاقتراع، يجعل الحق في التصويت أو الترشح حقا نظريا في كثير من الحالات.

التمثيلية السياسية ودور الأحزاب والبرلمان
لا يرتبط إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة فقط بتوفير الولوجيات داخل الفضاءات العمومية، بل يمتد أيضا إلى ضمان حقهم الكامل في المشاركة السياسية والتمثيلية داخل مراكز القرار، فحضور هذه الفئة داخل المؤسسات المنتخبة يشكل أحد المؤشرات الأساسية على مدى احترام مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص، كما يعكس قدرة الأحزاب السياسية والمؤسسات التشريعية على تبني مقاربة دامجة تتيح للأشخاص في وضعية إعاقة المساهمة في صناعة القرار العمومي والدفاع عن قضاياهم من داخل المؤسسات الدستورية نفسها.
كيف يمكن للأحزاب السياسية أن تنتقل من منطق التمثيلية الرمزية للأشخاص في وضعية إعاقة إلى تمكينهم فعليا من الوصول إلى مواقع القرار والمسؤولية كالمؤسسة التشريعية؟ سؤال طرحناه على سلمى الفقير، نائبة رئيس مقاطعة باب المريسة بمدينة سلا عن حزب التجمع الوطني للأحرار، والتي أكدت أن إشكالية تمثيلية الأشخاص في وضعية إعاقة داخل المؤسسات المنتخبة ما تزال مرتبطة بغياب معايير واضحة وملزمة داخل الأحزاب السياسية، موضحة أن القانون الانتخابي لا يفرض آليات محددة تضمن حضور هذه الفئة داخل المجالس المنتخبة أو المؤسسة التشريعية، مشيرتا إلى أن ما يوجد حاليا لا يتجاوز اجتهادات داخلية تختلف من حزب إلى آخر، دون وجود تصور وطني واضح يكرس مبدأ التمثيلية السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة.

وأضافت المتحدثة أن الأشخاص في وضعية إعاقة كانوا يطمحون إلى تمثيلية حقيقية داخل البرلمان، في إشارة إلى ضرورة إشراك هذه الفئة بشكل مباشر في صناعة القرار والدفاع عن قضاياها من داخل المؤسسات المنتخبة.
كما أبرزت أن تجربتها الشخصية في الانتخابات الجماعية، باعتبارها أول امرأة كفيفة تشغل منصب نائبة رئيس مقاطعة بالمغرب، جاءت أساسا بدعم من قناعة محلية وإرادة بعض المسؤولين الحزبيين، أكثر من كونها نتيجة سياسة حزبية وطنية واضحة في هذا المجال.
وسجلت الفقير أن عددا من الأشخاص في وضعية إعاقة ما يزالون يواجهون صعوبات في الحصول على التزكيات الحزبية، رغم الكفاءات التي يتوفرون عليها، مؤكدة أنها سبق أن تقدمت بترشيحها للانتخابات التشريعية، غير أن الأمر ظل مرتبطا بوعود غير رسمية دون ترجمتها فعليا على أرض الواقع.
وانتقدت ضعف اهتمام الإعلام بقضايا التمثيلية السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة، معتبرة أن تعزيز الوعي المجتمعي والإعلامي يشكل مدخلا أساسيا لتغيير النظرة السائدة تجاه هذه الفئة وتمكينها من المشاركة الكاملة داخل الحياة السياسية والمؤسساتية.
“نريد أن نكون جزءا من صناعة القرار، لا مجرد موضوع للنقاش داخل المؤسسات.”
سلمى فقير
في يناير 2021، أطلقت فعاليات مدنية وحقوقية عريضة وطنية للمطالبة بتعزيز المشاركة السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة، من خلال تخصيص كوطا تضمن تمثيلية هذه الفئة داخل المؤسسات المنتخبة والبرلمان.
وجاءت هذه المبادرة في سياق النقاش المرتبط بإصلاح المنظومة الانتخابية وتمثيلية الفئات داخل المشهد السياسي، حيث اعتبر أصحاب العريضة أن الأشخاص في وضعية إعاقة ما يزالون يعانون من ضعف الحضور داخل مراكز القرار، رغم أن عددهم يناهز ثلاثة ملايين شخص بالمغرب، أي بمعدل شخص في وضعية إعاقة داخل كل أربع أسر.
وأكد القائمون على العريضة أن مطلب الكوطا لا يهدف فقط إلى ضمان حضور رمزي داخل البرلمان، بل إلى تمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من التعبير عن قضاياهم والمساهمة في صناعة القرار العمومي من داخل المؤسسات التشريعية والسياسية.
كما شددوا على أن المشاركة السياسية لهذه الفئة يجب ألا تقتصر على التصويت خلال الانتخابات، بل ينبغي أن تشمل الحق في الترشح والتمثيل الفعلي داخل المجالس المنتخبة، خاصة في ظل استمرار مظاهر التهميش والإقصاء التي تواجهها هذه الفئة رغم ما تتوفر عليه من كفاءات وقدرات فكرية ومهنية.
إلياس الحافر، عضو حزب الاستقلال والباحث في سلك الدكتوراه، أشار إلى أن البرلمان مدعو للقيام بأدوار ثلاث متكاملة:
أولا، الدور التشريعي، عبر إدماج معايير الولوج الشامل ضمن مدونة الانتخابات، وفتح نقاش حول آليات تحفيزية، مثل دعم اللوائح التي تضم مرشحين في وضعية إعاقة أو التفكير في صيغ تمثيلية تضمن حضورا أقوى لهذه الفئة داخل المجالس المنتخبة.
ثانيا، الدور الرقابي، من خلال مساءلة الحكومة حول مدى احترام معايير الولوجيات في الاستحقاقات الانتخابية، وتقييم السياسات العمومية الموجهة للأشخاص في وضعية إعاقة عبر تقارير ومهام استطلاعية داخل اللجان المختصة.
ثالثا، الدور التمثيلي، إذ يرى الحافر أن البرلمان ينبغي أن يكون قدوة، عبر تهيئة مرافقه ولجانه، وتوفير الترجمة الفورية بلغة الإشارة في الجلسات العامة، وتمكين النواب في وضعية إعاقة من وسائل الدعم اللازمة لأداء مهامهم في ظروف تكافؤ فعلي.
وأوضح المتحدث أن مسألة الولوجيات ليست مطلبا فئويا، بل هي شرط ديمقراطي أساسي؛ فبدون ولوج مادي ورقمي ومعلوماتي، يظل الحق الدستوري في المشاركة السياسية معلقا.
والانتقال من مقاربة الرعاية إلى مقاربة الحقوق، حسب تعبيره، يمر عبر إرادة سياسية واضحة تجعل من البرلمان فاعلا مركزيا في فرض وتقييم معايير الولوج الشامل، بما يعزز صورة المؤسسة التشريعية كمجال مفتوح أمام جميع المواطنات والمواطنين دون استثناء.
العدالة التمثيلية داخل البرلمان
وتُطرح مسألة العدالة التمثيلية داخل البرلمان باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية على مدى انفتاح المؤسسة التشريعية على مختلف فئات المجتمع، خاصة الأشخاص في وضعية إعاقة الذين ما يزال حضورهم داخل مراكز القرار محدودا مقارنة بحجمهم داخل المجتمع المغربي.
فالنقاش اليوم لم يعد مرتبطا فقط بحق التصويت أو المشاركة السياسية من الخارج، بل بمدى قدرة هذه الفئة على الوصول إلى مواقع التأثير وصناعة القرار، بما يضمن تمثيلية تعكس التنوع المجتمعي وتساهم في نقل قضايا الأشخاص في وضعية إعاقة من دائرة المطالب الاجتماعية إلى مستوى التشريع والسياسات العمومية.

وفي إطار البحث في أسباب ضعف تمثيلية الأشخاص في وضعية إعاقة داخل المؤسسة التشريعية، توجهت “إعلام تيفي” إلى الحسين بن الطيب، النائب البرلماني عن حزب التجمع الوطني للأحرار، البرلماني الدولي الذي يعاني من إعاقة حركية ناتجة عن مرض شلل الأطفال ويعتمد على العكازين في التنقل، من أجل استجلاء أبرز الإشكالات المرتبطة بحضور هذه الفئة داخل البرلمان، سواء على مستوى الولوجيات أو التزكيات الحزبية أو المشاركة السياسية، إضافة إلى الوقوف على مدى توفر المؤسسة التشريعية على بيئة دامجة تستجيب لاحتياجات الأشخاص في وضعية إعاقة.
وفي تصريحه حول واقع التمثيلية السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة داخل المؤسسة التشريعية، أكد بن الطيب، أن البرلمان عرف خلال الولاية الحالية بعض التحسينات على مستوى البنية التحتية المرتبطة بالولوجيات، من قبيل الممرات والمصاعد والتسهيلات الحركية، إلى جانب توفير بعض الخدمات المواكِبة لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، معتبرا أن المؤسسة التشريعية تعيش اليوم مرحلة تكييف جزئي أكثر من كونها حققت إدماجا كاملا لهذه الفئة داخل فضائها المؤسساتي.
وأوضح بن الطيب أن إشكالية ضعف تمثيلية الأشخاص في وضعية إعاقة داخل البرلمان ترتبط بعدة عوامل متداخلة، من بينها إكراهات التزكية الحزبية، وارتفاع كلفة الحملات الانتخابية، إضافة إلى استمرار بعض الصور النمطية المرتبطة بقدرة الأشخاص في وضعية إعاقة على التمثيل السياسي.
مشيرا إلى غياب آليات قانونية ملزمة تضمن حضورا أوسع لهذه الفئة داخل المؤسسات المنتخبة، رغم وجود بعض المبادرات الحزبية الرامية إلى تكوين وتأطير قيادات سياسية من الأشخاص في وضعية إعاقة.
وفي ما يتعلق بالأولويات التشريعية، دعا المتحدث إلى تعزيز الولوجية الشاملة داخل المؤسسات، سواء على المستوى المادي أو الرقمي أو التواصلي، إلى جانب التفكير في تحفيزات تشجع الأحزاب على ترشيح الأشخاص في وضعية إعاقة، وإدماج مقاربة الإعاقة بشكل أفقي داخل مختلف مشاريع القوانين والسياسات العمومية.
وأوضح النائب أن معيار التمثيلية داخل البرلمان يجب أن يبقى مرتبطا بالكفاءة والقدرة على خدمة المواطنين والدفاع عن قضاياهم، بغض النظر عن الخصوصيات الشخصية أو الجسدية، معتبرا أن الإدماج الحقيقي ينبغي أن يتم في إطار مقاربة متوازنة تقوم على تكافؤ الفرص وبناء مؤسسات قوية بالكفاءات، ومنفتحة في الآن نفسه على مختلف مكونات المجتمع.
“الإقصاء لا يكون دائما معلنا، أحيانا يكون في صمت التزكيات غير الممنوحة.”
الحسين بن الطيب

وفي هذا السياق، شدد المجلس الوطني لحقوق الإنسان على أن المشاركة السياسية للأشخاص في وضعية إعاقة لا ينبغي أن تقتصر على ممارسة حق التصويت فقط، بل يجب أن تشمل أيضا الحق في الترشح والوصول إلى مواقع القرار داخل المؤسسات المنتخبة، مع ضرورة إزالة مختلف العوائق المادية والتنظيمية التي تحد من حضورهم السياسي.
كما أكد المجلس، في عدد من تقاريره وتوصياته، أن تحقيق العدالة التمثيلية يقتضي اعتماد مقاربة حقوقية قائمة على المساواة وتكافؤ الفرص، بما يضمن مشاركة فعلية لهذه الفئة داخل الحياة السياسية والمؤسساتية.
ومن جهته، اعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة داخل مراكز القرار يشكل أحد المؤشرات الأساسية على مدى احترام حقوقهم داخل المجتمع، داعيا إلى تجاوز المقاربة الاجتماعية التقليدية نحو مقاربة قائمة على التمكين والمشاركة الكاملة.
وسجل المجلس، ضمن تقاريره المتعلقة بالإدماج وحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، أن ضعف حضور هذه الفئة داخل المؤسسات المنتخبة يعكس استمرار اختلالات مرتبطة بالولوجيات، والتمكين السياسي، وضعف آليات الدعم والتأطير داخل الأحزاب السياسية.
نحو سياسة عمومية دامجة للولوجيات
في إطار البحث عن آليات عملية لتعزيز حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة داخل المؤسسات، برزت عدة توصيات تدعو إلى إحداث تقارير دورية وآليات رقابية أكثر فعالية داخل البرلمان.
وفي هذا السياق، أكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان، عبر الآلية الوطنية الخاصة بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، أهمية إعداد تقارير سنوية ترصد وضعية هذه الفئة ومدى احترام حقوقها داخل السياسات العمومية والمؤسسات الوطنية، مع تقديم توصيات عملية لتعزيز الإدماج والولوجيات.
كما أوضح المجلس أن هذه الآلية تتولى تتبع تنفيذ الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ورصد الاختلالات المرتبطة بالولوج والتمثيلية والمشاركة داخل الفضاء العمومي.
وفي السياق نفسه، يطالب عدد من الفاعلين الحقوقيين والمدنيين بتفعيل دور البرلمان الرقابي عبر إحداث لجان استطلاعية مؤقتة تعنى بموضوع الولوجيات داخل المؤسسات العمومية، خاصة في ظل استمرار تسجيل فجوة بين النصوص القانونية والتنزيل الفعلي على أرض الواقع.
وتعتبر اللجان الاستطلاعية من بين الآليات الرقابية التي تمكن البرلمان من تقييم السياسات العمومية والوقوف ميدانيا على الاختلالات المرتبطة بتنفيذ القوانين، بما في ذلك مدى احترام معايير الولوجيات داخل الإدارات والمرافق العمومية.
كما يطرح متتبعون ضرورة تخصيص تقارير سنوية داخل البرلمان حول حصيلة تنزيل السياسات المتعلقة بالإعاقة، ومدى التزام القطاعات الحكومية بمعايير الإدماج والولوج الشامل.
الانتقال نحو سياسة عمومية دامجة للولوجيات يفرض تجاوز المقاربة الجزئية أو الظرفية، واعتماد رؤية شمولية تجعل من الولوج حقا أساسيا وليس امتيازا، ويتطلب ذلك ملاءمة الإطار التشريعي والتنظيمي، خاصة القانون 10.03، مع تعزيز آليات المراقبة والتتبع، وتفعيل دور البرلمان عبر تقارير دورية ولجان استطلاعية ترصد مدى احترام الإدارات والمؤسسات العمومية لمعايير الولوجيات، سواء داخل البنايات القديمة أو الجديدة.
ويقتضي هذا التحول إطلاق برامج فعلية لإعادة تهيئة المرافق العمومية بما يضمن ولوجا ماديا ورقميا وتواصليا شاملا، إلى جانب تشجيع تمثيلية الأشخاص في وضعية إعاقة داخل مراكز القرار، باعتبارها مدخلا أساسيا لتصحيح اختلالات التمثيلية.

صحيح أن المؤسسة التشريعية خطت بعض الخطوات في اتجاه تعزيز الولوجيات، من قبيل توفير ممرات خاصة عند باب البرلمان، وتهيئة الطابق السفلي بما يسمح بحرية التنقل، إضافة إلى المصعد الكهربائي الذي يسهل الولوج بين الطوابق، فضلا عن اعتماد الترجمة إلى لغة الإشارة في النقل التلفزي للجلسات العامة.
غير أن هذه التدابير، على أهميتها، تظل جزئية وغير كافية لبناء ولوج شامل ومتكامل، فالغرف التشريعية نفسها لا تتوفر بعد على تهيئة كاملة تستجيب لمختلف أنواع الإعاقات، سواء من حيث توزيع المقاعد، أو تجهيزات التصويت، أو وسائل المساعدة التقنية داخل اللجان.
وهو ما يجعل الجهد المبذول أقرب إلى معالجة بعض الجوانب الظاهرة، دون إرساء منظومة متكاملة تضمن ممارسة العمل البرلماني في شروط مساواة فعلية.
فالولوج الحقيقي لا يقاس بوجود مصعد أو منحدر فقط، بل بمدى قدرة النائب في وضعية إعاقة على أداء مهامه داخل المؤسسة باستقلالية وكرامة، ودون حاجة دائمة إلى تدخل أو مساعدة الغير.
الولوجيات حلم يرافق الأشخاص في وضعية إعاقة، ويتجدد مع كل محطة سياسية، دون أن يتحول بعد إلى واقع شامل وملموس، فبين تعاقب الحكومات وتعدد البرامج والخطط، يظل هذا الورش مفتوحا على وعود الإصلاح أكثر من إنجازاته على الأرض.







