هل ينجح أخنوش في إسقاط الدغمي كما أسقط قبله أسماء أزعجته؟

حسين العياشي

مواكبة_ لم تكن الوكالة المغربية للدم ومشتقاته قد أكملت حتى خطواتها الأولى، حتى بدا واضحا أن المعركة الحقيقية داخلها لا تتعلق فقط بتدبير أكياس الدم أو تحديث منظومة صحية متقادمة، بل بصراع نفوذ صامت، قاسٍ، تتداخل فيه الحسابات السياسية مع رهانات التحكم في واحدة من أكثر المؤسسات الصحية حساسية في البلاد.

في الظاهر، تبدو الأزمة مجرد أعطاب إدارية مألوفة في نظام أساسي متعثر، ترقيات مجمدة، احتقان نقابي، نزيف في الموارد البشرية، ومشاكل تدبيرية تتكرر في أغلب المؤسسات العمومية.. لكن خلف هذا الركام البيروقراطي، ثمة رواية أخرى تتشكل بهدوء داخل أروقة القطاع الصحي، رواية تقول إن ما يجري داخل الوكالة ليس فوضى عابرة، بل عملية إنهاك ممنهجة لرجل وُضع على رأس المؤسسة ثم تُرك وحيدا وسط حقل ألغام إداري وسياسي.

كمال الدغمي، مدير الوكالة المغربية للدم ومشتقاته، المعين من طرف الملك محمد السادس، والذي يشغل منصب طبيب-“كولونيل ماجور” بالمستشفى العسكري، لم يكن اسما عاديا داخل المشهد الصحي. الرجل دخل المؤسسة بخلفية صارمة، وبصورة مسؤول تقني أكثر منه فاعلا سياسيا. وربما هنا بالضبط بدأت المشكلة.

في المغرب، لا تُقاس خطورة المسؤول دائما بحجم سلطته، بل أحيانا بحجم استقلاليته. وكلما بدا المسؤول أقل قابلية للتطويع، تحول تدريجيا إلى عبء سياسي يجب احتواؤه أو التخلص منه بهدوء.

هذا ما يجعل ما يحدث داخل الوكالة اليوم يطرح أسئلة ثقيلة تتجاوز حدود التدبير الإداري. فكيف لمؤسسة حظيت منذ البداية برعاية حكومية مباشرة، وعقد مجلسها الإداري برئاسة عزيز أخنوش شخصيا، أن تتحول في ظرف وجيز إلى فضاء مشلول، يعيش على إيقاع التأجيل والغموض والاحتقان؟ وكيف لوكالة صودق على هيكلتها ونظامها الأساسي أن تستمر، بعد كل هذا الوقت، في العمل بمنطق “الترقيع” والقرارات الشفهية؟

الأمر يبدو أكبر من مجرد بطء إداري.

المثير أن مصادر نقابية مطلعة، من داخل قطاع الصحة والقريبة من تفاصيل هذه التحولات، تتحدث عن مرحلة خطيرة عاشتها الوكالة خلال الأشهر الماضية، حين تعرضت لما يشبه “عملية تفريغ” ممنهجة من أطرها وكفاءاتها. موجة نزيف بشري غير مسبوقة، تقول المصادر إنها لم تتوقف إلا بعد تدخل مباشر من المدير نفسه، بعدما بدأت المؤسسة تفقد توازنها الداخلي بشكل مقلق.

لكن ما يثير الانتباه أكثر، ليس فقط خروج الأطر، بل طبيعة “الدماء الجديدة” التي دخلت المؤسسة بالتوازي مع هذا النزيف.

بحسب الرواية ذاتها، فإن الوكالة بدأت تستقبل أسماء محسوبة على نفس الطيف السياسي المحيط برئيس الحكومة، في مشهد بدا لكثيرين وكأنه إعادة تشكيل هادئة لمراكز النفوذ داخل المؤسسة. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى أيضا استحداث منصب “مدير مساعد” في خطوة أثارت الكثير من علامات الاستفهام داخل القطاع، خاصة بعدما ارتبط الاسم الذي وُضع في هذا الموقع بعلاقات قرب من دوائر القرار السياسي المرتبطة برئاسة الحكومة ووزارة الصحة.

وهنا تبدأ الصورة في التحول من مجرد أزمة تدبير إلى سيناريو سياسي أكثر تعقيدا.

هل يُراد لكمال الدغمي أن يبقى محاصرا وسط الأزمات إلى أن يسقط وحده تحت ضغط الاحتقان؟ وهل يتم إعداد “الخليفة” بهدوء داخل المؤسسة نفسها، حتى تبدو لحظة الإطاحة به لاحقا وكأنها نتيجة طبيعية لفشل إداري لا علاقة له بالصراع الحقيقي الدائر في الخلفية؟

الأسئلة هنا ليست عبثية، خصوصا حين تُقرأ على ضوء سوابق سياسية ما تزال حاضرة في الذاكرة المغربية.

فعزيز أخنوش، الذي يقدم نفسه باعتباره رجل الدولة الهادئ، دخل خلال السنوات الأخيرة في مواجهات صامتة مع أكثر من اسم ثقيل. خالد آيت الطالب، وزير الصحة السابق، وجد نفسه خارج الحكومة بعدما تحولت الوزارة إلى ساحة توتر سياسي مفتوح. وقبله، عاش مجلس المنافسة واحدة من أعنف الهزات حين أصدر تقريره الشهير حول المحروقات، وهو التقرير الذي خنق أكبر الفاعلين في القطاع، وفي مقدمتهم شركات مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بإمبراطورية المحروقات التي تحيط باسم أخنوش.

الأمر نفسه تكرر، بدرجات مختلفة، مع المندوبية السامية للتخطيط، ثم مع الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، بعدما خرج رئيسها بتقديرات صادمة حول الكلفة الحقيقية للفساد في المغرب. في كل مرة، كان يظهر توتر غير معلن بين السلطة السياسية وبين المؤسسات أو الشخصيات التي تنتج خطابا أو معطيات مزعجة.

لذلك، حين تنفجر الأزمة داخل وكالة الدم، يصبح من الطبيعي أن يتساءل كثيرون: هل يتعلق الأمر فعلا فقط بتعثر إداري؟ أم أننا أمام نسخة جديدة من صراع أعمق، تُستعمل فيه البيروقراطية والتعيينات والاختناقات الداخلية كسلاح لإضعاف مسؤول لم يعد مرغوبا فيه؟

داخل الوكالة، يتحدث الموظفون عن مؤسسة تعيش على أعصابها. ملفات معلقة، تعويضات متأخرة، تنقيط إداري يثير الشكوك، غضب نقابي متصاعد، وأطر فقدت الثقة في المستقبل المهني للمؤسسة. لكن خلف كل هذا، ثمة شعور أكبر يتسلل بصمت: أن الوكالة لم تعد تُدار فقط بمنطق الإصلاح الصحي، بل أصبحت ساحة لتصفية التوازنات وبناء الولاءات.

والمفارقة المؤلمة أن كل هذا يحدث داخل قطاع لا يحتمل العبث أصلا.

فالدم ليس قطاعا عاديا يمكن أن يتحمل سنوات من الصراع والتجريب والحروب الباردة. أي اهتزاز داخل هذه المنظومة ينعكس مباشرة على الأمن الصحي للبلاد، وعلى قدرة المستشفيات على الاستجابة، وعلى ثقة المواطنين في واحدة من أكثر الخدمات حساسية.

لكن يبدو أن منطق النفوذ، حين يتمدد، لا يعود يميز بين مؤسسة استراتيجية وأخرى هامشية.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو: هل هناك حرب خفية داخل وكالة الدم؟

بل السؤال الأخطر ربما: إلى أي حد أصبحت مؤسسات الدولة نفسها تتحول إلى ساحات صراع نفوذ سياسي، حيث يُترك الإصلاح ينزف ببطء، فقط لأن معركة الكرسي لم تُحسم بعد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى