المغرب في صدارة التصنيع الإفريقي: محددات الريادة وتحديات الاستدامة

بقلم: عزيز رباح
أصبح التحول الصناعي في إفريقيا أحد أبرز مؤشرات التطور الاقتصادي في القارة وتشكيل خريطة القوى الاقتصادية فيها. وفي هذا السياق، يسلّط “مؤشر التصنيع في إفريقيا” الصادر عن البنك الإفريقي للتنمية الضوء على دينامية جديدة تعيد رسم خارطة النفوذ الصناعي بالقارة.
ويبرز المغرب كفاعل صاعد استطاع خلال العقود الأخيرة بناء قاعدة صناعية متقدمة ومندمجة، مكّنته من تصدّر التصنيف الإفريقي في الأداء الصناعي. غير أن هذا التقدم، رغم أهميته الكبرى، يدعو إلى العمل على تعزيز الجاذبية الاستثمارية في أفق ترسيخ السيادة الصناعية.
فالقوة الصناعية اليوم لم تعد تقاس بحجم الاستثمارات المستقطبة فقط، بل بمدى القدرة على إنتاج التكنولوجيا، وتوطين القيمة المضافة، والتحكم في جزء منها، وتوزيع ثمار النمو اجتماعيا ومجالياً.
أولاً: سياق الريادة الصناعية المغربية
جاء هذا التقدم ثمرة رؤية استراتيجية ممتدة لأزيد من ثلاثة عقود تجددت معها المخططات ونقلت الاقتصاد الوطني من الاعتماد الكبير على الفلاحة وتقلبات التساقطات المطرية إلى اقتصاد صناعي متنوع ومندمج في سلاسل القيمة العالمية.
وقد جاءت جنوب إفريقيا في المرتبة الثانية، تلتها مصر ثالثاً بفضل تنوع نسيجها الإنتاجي، ثم تونس رابعاً بفضل تطورها في الصناعات الإلكترونية والميكانيكية الدقيقة، والجزائر خامساً اعتماداً على قطاع البتروكيماويات. ويعكس هذا الترتيب حضوراً قوياً لدول شمال إفريقيا، التي تستحوذ مجتمعةً على أكثر من نصف الأداء الصناعي للقارة.
أما باقي المراتب، فتشمل موريشيوس ونيجيريا وكينيا وغانا وساحل العاج، بما يؤكد اتساع قاعدة التصنيع داخل القارة بوتيرة متنامية.
ويعرض هذا المقال بعض خلاصات التقرير التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، ولا سيما فيما يتعلق بالتحديات التي يواجهها النموذج الصناعي الوطني.
ثانياً: عوامل الريادة الصناعية للمملكة
يرتكز هذا الأداء على مجموعة من العوامل المتكاملة التي شكّلت أساس التحول الصناعي المغربي. ومن أهمها مايلي:
– الاستقرار والاستمرارية المؤسساتية: استفاد المغرب من استقرار سياسي ومؤسساتي مهم، ومن رؤية اقتصادية بعيدة المدى تتجاوز التغيرات الحكومية، ما منح المستثمرين المحليين والأجانب وضوحاً أكبر في استمرارية السياسات العمومية والإطارين القانوني والضريبي.
– التحفيزات المتعددة والمتجددة: وتشمل توفير العقار بأسعار عموما مقبولة والدعم المالي لنسبة من حجم الاستثمار وبعض الإعفاءات الضريبية ودعم توظيف الموارد البشرية، وتشجيع التصدير …
– البنية التحتية واللوجستيكية: استثمرت المملكة بشكل كبير في البنية التحتية من موانئ ومطارات وطرق سيارة وشبكات كهرباء وماء، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح منصة لوجستية محورية في حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد ساهم ذلك في تقليص كلفة النقل وتعزيز ربط النسيج الصناعي الوطني بالأسواق الدولية.
– المنظومات الصناعية المندمجة: اعتمد المغرب مقاربة تقوم على إرساء منظومات صناعية مندمجة تجمع بين الشركات العالمية والمقاولات الوطنية والموردين المحليين، إلى جانب شركات الخدمات المساندة، ما عزز ترابط النسيج الصناعي ورفع تنافسيته.
– تنوع القاعدة الصناعية: من خلال تطوير منظومات صناعية متعددة ذات محتوى تكنولوجي متفاوت. ويشمل هذا التنوع صناعة السيارات ومكوناتها، وصناعة الطيران، إلى جانب الصناعات الميكانيكية الدقيقة والمعادن والنسيج والجلد والصناعات الغذائية التحويلية. هذا بالإضافة إلى صناعات مرتبطة بالطاقة والانتقال الطاقي، مثل بطاريات السيارات الكهربائية، والهيدروجين والأمونيا الخضراء؛ وأيضا الصناعات الدوائية والبيوتكنولوجية، والصناعات الكيماوية المرتبطة بالفوسفاط والأسمدة.
– الرأسمال البشري: حيث تم تطوير منظومة التعليم العالي والتكوين المهني عبر مؤسسات متخصصة في القطاعين العام والخاص ، مما ساهم في توفير كفاءات شابة ومؤهلة تستجيب لحاجيات الاستثمار الصناعي.
ثالثاً: تحديات الحفاظ على الصدارة
رغم هذا التقدم، يواجه المغرب عدداً من التحديات المذكورة في التقرير والتي تتطلب معالجة مستمرة لضمان استدامة الريادة الصناعية، نذكر منها على الخصوص.
– تعزيز السيادة الصناعية: حيث لا تزال بعض القطاعات تعتمد على استيراد مدخلات إنتاج أساسية، ما يفرض تنويع مصادر التزود، وتطوير شراكات استراتيجية، ودعم البحث العلمي وتوطين التكنولوجيا.
– البحث العلمي والابتكار: كرافعة مركزية للانتقال نحو اقتصاد صناعي أكثر تقدماً، من خلال تعزيز الربط بين الجامعة ومراكز البحث والقطاع الصناعي، وتشجيع الابتكار التطبيقي، ورفع الاستثمار في البحث والتطوير (R&D).
– العدالة المجالية: لا يزال الإقبال على الاستثمار الصناعي متمركزاً أساساً في محور الدار البيضاء–القنيطرة وقطب طنجة–تطوان وتدريجيا أكادير، مما يستدعي مقاربة محفزة لجلب الاستثمارات نحو باقي الجهات لضمان توازن مجالي أكبر.
– تنشيط الاستثمار الخاص الوطني: حيث لا يزال الاستثمار الدولي هو المهيمن ، والقطاع الخاص الوطني ضعيفا في القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية.
– الحكامة الاقتصادية: من حسث تبسيط المساطر، وتسريع الرقمنة، وتجويد أداء مراكز الاستثمار، وتعزيز الشفافية في تدبير العقار الصناعي والتحفيزات والتراخيص.
– رهان التشغيل: حيث تطرح الصناعات الحديثة تحدياً مرتبطاً بقدرتها المحدودة نسبياً على خلق فرص شغل واسعة، ما يفرض دعم الصناعات كثيفة التشغيل، وتحسين ملاءمة التكوين مع حاجيات السوق.
إن تصدّر المغرب للمشهد الصناعي الإفريقي يعكس مساراً تنموياً قائماً على الاستقرار والاستثمار والانفتاح على سلاسل القيمة العالمية. غير أن استدامة هذا الموقع تظل رهينة بقدرة الاقتصاد الوطني على تعميق التحول نحو السيادة الصناعية، عبر بناء منظومة صناعية متكاملة قادرة على إنتاج القيمة المضافة، وتوسيع قاعدة الإنتاج من الصغير إلى الكبير، وضمان توزيع أكثر توازناً لثمار النمو، وتعزيز الابتكار، وتقوية النسيج الإنتاجي الوطني، كل ذلك بالالتزام بحكامة اقتصادية تجدب المستثمر الوطني والدولي وتيسر مسار مغامرته وتجعله أكثر اطمئنانا مما يحوله إلى سفير مؤثر لصالح الوجهة المغربية.





