برنامج انتخابي بطموح الدولة الاجتماعية.. “البام” يضع القدرة الشرائية والشباب والصحة في صدارة رهانات 2026

مديحة المهادنة

متابعة_ حزب الأصالة والمعاصرة لم يكتف في برنامجه للانتخابات التشريعية لسنة 2026 بإعلان لائحة من الوعود الاجتماعية والاقتصادية، بل اختار رفع سقف التزاماته إلى مستويات مالية ورقمية كبيرة، مقدما تصورا يمتد لخمس سنوات بكلفة إضافية تقدر بنحو 350 مليار درهم بين 2027 و2031، أي ما يقارب 70 مليار درهم سنويا، في محاولة لوضع القدرة الشرائية والشغل والصحة والتعليم والسكن والأمن الاستراتيجي في قلب التنافس الانتخابي المقبل.

البرنامج، المبني على أربعة مواثيق كبرى وعشرين التزاما، يحاول الانتقال من الشعارات العامة إلى تعهدات قابلة للقياس بالأرقام، من بينها خلق مليون منصب شغل صاف، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم، وتوسيع الدعم الاجتماعي، وإعفاء شريحة واسعة من الأجور من الضريبة، إلى جانب استثمارات في الصحة والماء والطاقة والذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، يضع حجم هذه الالتزامات الحزب أمام امتحان لا يقل أهمية عن الإعلان عنها: من أين ستأتي مئات المليارات اللازمة لتنفيذ البرنامج، وهل تسمح الهوامش المالية للدولة بترجمة هذه الأرقام إلى التزامات فعلية خلال ولاية حكومية واحدة؟

350 مليار درهم لتمويل البرنامج.. والحزب يراهن على النمو

يقدر الأصالة والمعاصرة الكلفة الإضافية التراكمية لتنفيذ برنامجه بنحو 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، موزعة على أربعة محاور أساسية؛ إذ خصص 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و50 مليارا لإدماج الشباب، و100 مليار لميثاق المواطنة، و50 مليارا لميثاق السيادة.

ويشير البرنامج إلى أن تمويل برنامج التنمية المجالية المندمجة سيكون جزءا من التمويل الإضافي المخصص لهذه المواثيق، بقيمة تناهز 130 مليار درهم خلال خمس سنوات.

أما الموارد التي يراهن عليها الحزب لتغطية هذه الكلفة، فتقوم أساسا على أثر إضافي متوقع للنمو بنحو 300 مليار درهم خلال خمس سنوات، إلى جانب مساهمة الجماعات الترابية عبر الصندوق المخصص للضريبة على القيمة المضافة بحوالي 40 مليار درهم، ثم إعادة تخصيص بعض الاعتمادات والنجاعة الميزانياتية بما يقارب 10 مليارات درهم.

القدرة الشرائية في مقدمة الوعود.. من الكهرباء إلى الأجور والمعاشات

أولى واجهات البرنامج ترتبط مباشرة بجيب المواطن. فالحزب يتعهد بالعمل على إعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية، وإقرار مجانية فاتورة الكهرباء بالنسبة للاستهلاك الذي لا يتجاوز 100 درهم شهريا، مع إعادة النظر في الضريبة على الأجور.

ويقدم البرنامج تصورا ضريبيا يقوم على تقليص الشرائح الحالية، بحيث تصبح نسبة الضريبة 0 في المائة بالنسبة للأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم، و10 في المائة للأجور ما بين 15 ألفا و46 ألف درهم، و20 في المائة لما يتجاوز 46 ألف درهم.

وفي الشق الاجتماعي، يتعهد الحزب بألا يقل أي معاش عن 3000 درهم، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم.

وهي إجراءات تحمل أثرا اجتماعيا مباشرا، لكنها في الوقت نفسه ترفع كلفة “ميثاق القدرة الشرائية” وحده إلى 150 مليار درهم، ما يجعل نجاحه مرتبطا بقدرة الحكومة المقبلة على إيجاد موارد مستقرة وليس فقط مداخيل ظرفية.

مليون منصب شغل.. والبطالة مستهدفة عند 7 في المائة

أكبر الأرقام التي يضعها الأصالة والمعاصرة على الطاولة يتعلق بالتشغيل، إذ يتعهد بخلق ما لا يقل عن مليون منصب شغل صاف خلال الولاية، مقابل خفض معدل البطالة من 10.8 في المائة إلى 7 في المائة في أفق 2031.

ويفصل البرنامج هذا الهدف إلى مجموعة من الأوراش، من بينها إحداث 250 ألف منصب صاف في الصناعة، و270 ألف منصب في خدمات المرحلة ذات القيمة المضافة العالية، و40 ألف منصب في المجال الرياضي، واستقرار 80 ألف فلاح شاب في العالم القروي، إلى جانب نحو 360 ألف منصب مرتبط بتنظيم كأس العالم 2030 والأنشطة ذات الطابع الإنتاجي والخدماتي.

كما يتعهد الحزب برفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء من 17.5 في المائة سنة 2026 إلى 21.2 في المائة سنة 2031، وإحداث 12 مركزا رقميا جهويا يوفر فضاءات للعمل مرتبطة بالصبيب العالي والمواكبة التقنية للمقاولة الرقمية.

الشباب.. “مسار إدماج” وعقود شغل وسكن وحركية مهنية

أرقام وضعية الشباب شكلت أحد المداخل المركزية للبرنامج. الحزب يتحدث عن حوالي 2.9 مليون شابة وشاب بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل، وعن معدل بطالة يصل إلى 29.2 في المائة وسط الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، فضلا عن قرابة 300 ألف تلميذ يغادرون الدراسة سنويا دون تأهيل.

وأمام هذه المعطيات، يقترح الأصالة والمعاصرة إطلاق “مسار إدماج” كمسار موحد للشباب خارج المدرسة والتكوين والشغل، مع استهداف تسجيل 300 ألف شاب سنويا.

كما يتضمن البرنامج تكوين وإعادة تأهيل نحو 500 ألف شخص في المهن التي تعرف طلبا فعليا، وتمكين حوالي 500 ألف شاب خلال خمس سنوات من تجربة مهنية أولى عبر برنامج “أول عقد شغل”.

ويمتد التصور إلى مواكبة حوالي 60 ألف مقاولة عبر الاحتضان والتمويل والولوج إلى السوق، وإتاحة نحو 125 ألف فرصة للحركية القانونية، فضلا عن قرابة 250 ألف عملية حركية مهنية في خمس سنوات، وتوفير 100 ألف حل سكني بين 2027 و2031 تشمل مساكن إيجارية صغيرة وإقامات للشباب.

الصحة.. 1600 مركز صحي و90 مستشفى وتغطية بنسبة 100 في المائة

في القطاع الصحي، يلتزم الحزب بالوصول إلى تغطية صحية فعلية بنسبة 100 في المائة، لكنه يربط ذلك بتحسين جودة العرض الصحي العمومي، انطلاقا من تشخيص يعتبر أن تعميم التغطية لم يواكبه تحسن كاف في جودة الخدمات.

ويتضمن البرنامج تأهيل 1600 مركز صحي أولي و90 مستشفى جهويا وإقليميا، ضمن تصور يراد منه إعادة الثقة إلى المستشفى العمومي وتقليص الاضطرار إلى اللجوء للقطاع الخاص.

500 ألف أسرة مستفيدة من السكن

السكن بدوره حاضر ضمن الالتزامات الرقمية الكبرى، حيث يعد البرنامج بتمكين 500 ألف أسرة من سكن لائق خلال الولاية الخماسية، مع مواصلة برنامج السكن القروي وبرنامج “دعم السكن”.

ويربط الحزب ملف السكن أيضا بالشباب، عبر صندوق عمومي لضمان كراء سكن الشباب، في محاولة لمعالجة واحدة من أبرز العقبات التي تواجه الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي للفئات الشابة.

المدرسة العمومية.. رهان استعادة الثقة ووقف الانقطاع

في التعليم، يقدم الحزب تصورا لاسترجاع ما يسميه الدور التقليدي للمدرسة العمومية باعتبارها فضاء للتعلم والتربية والترقي الاجتماعي، ويضع هدف “صفر انقطاع عن الدراسة دون حل بديل” ضمن التزاماته.

كما يقترح إعادة هيكلة التعليم العالي في ثلاثة مجمعات ذات بعد دولي، تشمل مجمعا للعلوم والتكنولوجيا، ومجمعا تقنيا ومهنيا، إضافة إلى منظومة للمعابر بين مختلف المسارات.

الأمازيغية والرقمنة.. 1500 فضاء رقمي ومقاربة سيادية للمعطيات

البرنامج يجعل أيضا من تسريع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية أحد التزاماته، عبر إنشاء صندوق خاص لدعم استعمالها وتفعيل اللجنة الوزارية الدائمة المكلفة بتتبع هذا الورش.

وفي الرقمنة، يقترح الحزب إنشاء 1500 فضاء رقمي مواطن بمختلف الجماعات، وتعميم الخدمات الرقمية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الخدمة العمومية، مع التشديد على الاحتفاظ بالمعطيات المغربية ضمن منظومة سيادية.

الأمن المائي والطاقي والغذائي يدخل قلب البرنامج الانتخابي

ولا يقف البرنامج عند الملفات الاجتماعية، إذ يوسع مفهوم الأمن ليشمل الطاقة والماء والغذاء والعلوم والتكنولوجيا.

ويتعهد الحزب بتسريع استراتيجية الطاقات المتجددة ورفع حصتها في الاستهلاك الكهربائي إلى 52 في المائة، إلى جانب إنجاز نحو 400 منشأة مائية بين السدود الصغرى والتلية ومنشآت حصاد مياه الأمطار، فضلا عن إحداث 6 محطات لتحلية مياه البحر.

كما يقترح ضمان مخزون من المحروقات يغطي الاستهلاك الوطني لثلاثة أشهر، وإطلاق مشروع وطني لتكوين 5000 مؤطر في مجال الذكاء الاصطناعي وإدماج هذا المجال في المستويات التعليمية.

شروط النجاح.. الاستثمار والمقاولة والجهات

ولا يخفي البرنامج أن الوفاء بهذه الالتزامات يفترض شروطا اقتصادية موازية، في مقدمتها مواءمة التكوين مع حاجيات القطاعات الإنتاجية، وتعبئة العقار الاقتصادي وتطوير المناطق الصناعية، وتوسيع أدوات التمويل والضمان ورأسمال الاستثمار، وتشجيع الابتكار والبحث التطبيقي.

كما يضع ضمن شروط التنفيذ تعزيز المنافسة والشفافية وإدماج الاقتصاد غير المهيكل، وربط الدعم العمومي بالكفاءة الطاقية وترشيد استعمال المياه، مع تفعيل الجهوية الاقتصادية من خلال عقود وبرامج جهوية.

وفي جانب دعم المقاولات، يقترح الحزب تخصيص 15 في المائة من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، وإعفاء المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا من الضريبة على الشركات لمدة خمس سنوات مقابل خلق ثلاثة مناصب شغل.

برنامج ثقيل بالأرقام.. والرهان في قابلية التنفيذ

يقدم الأصالة والمعاصرة بذلك واحدا من البرامج الانتخابية الثقيلة من حيث حجم الأرقام والالتزامات: 350 مليار درهم من النفقات الإضافية، مليون منصب شغل صاف، 500 ألف أسرة مستفيدة من السكن، 1600 مركز صحي، 90 مستشفى، 500 ألف شاب في أول تجربة مهنية، ومشاريع كبرى في الماء والطاقة والرقمنة.

غير أن قوة البرنامج على الورق ستبقى مرتبطة بما هو أكثر تعقيدا من الإعلان عن الأهداف. فالوصول إلى نمو قادر على توليد 300 مليار درهم إضافية، وخفض البطالة إلى 7 في المائة، وتمويل سياسات اجتماعية وضريبية بهذا الحجم، كلها رهانات تحتاج إلى ظروف اقتصادية مواتية، وحكامة صارمة، وقدرة تنفيذية تتجاوز حدود الخطاب الانتخابي.

وبذلك يدخل الأصالة والمعاصرة انتخابات 2026 بعقد سياسي مرتفع الكلفة والطموح، واضعا أرقاما واضحة أمام الناخبين؛ وهو ما يجعل المحاسبة لاحقا أكثر وضوحا أيضا: إما أن تتحول هذه الالتزامات إلى نتائج ملموسة، أو تصبح الأرقام نفسها وثيقة للحكم على المسافة بين ما قيل في زمن الانتخابات وما أنجز فعليا بعد الوصول إلى السلطة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى