بدو البرلمان: موسم الترحال إلى المراعي الانتخابية

بقلم: المهدي عزيز – باحث في القانون العام والعلوم السياسية

في يومين فقط من قرارات المحكمة الدستورية، شغرت عشرون مقعدًا بمجلس النواب قبيل تشريعيات 2026. الأرقام لا تكشف النيات، لكنها تعيد طرح سؤال قديم: هل الحزب مشروع سياسي، أم مجرد طريق موسمي إلى التزكية؟

عرف الإنسان البدو في الصحارى، يتتبعون المطر حيث نزل، والكلأ حيث نبت، والماء حيث بقي، وعرفهم في الجبال يصعدون وينزلون مع الفصول. بل عرفت بحار جنوب شرق آسيا، بدورها، جماعات عاشت متنقلة فوق الماء، لا تستقر طويلًا في مرفأ، ولا تجعل من اليابسة وطنًا دائمًا. أما في المغرب، فقد أنتجت الحياة السياسية صنفًا آخر من الرحّل؛ لا يحملون الخيام، ولا يسوقون قطعانهم خلف السحاب، ولا يقطعون الصحارى بحثًا عن الآبار، بل اختاروا البداوة سبيلًا إلى الاستقرار داخل البرلمان.

أصبح موسم هؤلاء معروفًا، وإن كان من النادر أن يشدوا الرحال في منتصف الولاية التشريعية؛ فالمراعي هناك محروسة بالفصل 61 من الدستور، الذي يرتب التجريد من العضوية على تخلي البرلماني عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها. لذلك تعلّم الرحّل قواعد المناخ الجديد، وصاروا ينتظرون اقتراب نهاية الولاية قبل أن يفكوا الخيام ويراجعوا الخرائط.

وحين تلوح الانتخابات في الأفق، تتحرك القوافل. فجأة يصبح المرعى الذي ظل أخضر طوال خمس سنوات أقل اخضرارًا، وتجف الآبار، أو هكذا تبدو لأصحابها، ثم تظهر في البعيد مراعي أخرى أكثر وعدًا: دائرة أكثر أمنًا، أو تزكية أكثر ضمانًا، أو موقع أفضل في لائحة، أو باب يعتقد صاحبه أنه أقرب إلى ولاية برلمانية جديدة. ولا نحتاج إلى تتبع اسم كل راحل، ولا إلى رسم خريطة كاملة للذهاب والإياب، كي نرى المشهد؛ فالأسماء والألوان والوجهات تتغير من انتخابات إلى أخرى، لكن الصورة تكاد تعيد إنتاج نفسها: سياسي أمضى سنوات تحت راية معينة، ثم يكتشف، مع اقتراب موعد إيداع الترشيحات، أن بوصلته الفكرية تشير فجأة إلى جهة أخرى. والغريب في هذه البوصلة أنها شديدة الحساسية للتقويم الانتخابي؛ فكلما اقترب يوم الاقتراع ازدادت دقتها.

والأرقام هنا ليست تفصيلًا. ففي 19 غشت 2026، أصدرت المحكمة الدستورية خمسة قرارات ترتب عليها شغور 14 مقعدًا بمجلس النواب: 13 بالاستقالة، وواحد بالتجريد بسبب التخلي عن الانتماء السياسي. وفي قرار سادس صدر في اليوم نفسه، صرحت المحكمة أيضًا بشغور مقعد في مجلس المستشارين إثر استقالة صاحبه، فيما تعلّق أحد قرارات ذلك اليوم وحده بخمسة نواب قدموا استقالاتهم دفعة واحدة.

وبعد خمسة عشر يومًا، في 3 شتنبر 2026، صدر قرار تناول وضعية أربعة نواب؛ صُرّح بشغور مقعدي اثنين منهم بسبب الاستقالة، وجُرّد اثنان آخران من العضوية بعدما تبين أن التخلي عن الحزب سبق استقالتهما من مجلس النواب. بل اعتبرت المحكمة أن الاستقالة اللاحقة لا تمحو الأثر القانوني المترتب عن التخلي، فأصبح طلب الاستقالة غير ذي موضوع. وفي قرار ثانٍ صدر في اليوم نفسه، صُرّح بشغور مقعدين إضافيين إثر استقالة صاحبيهما. وهكذا انتهت قرارات هذين اليومين وحدهما إلى شغور عشرين مقعدًا بمجلس النواب، وهو ما يعادل نحو 5.1 في المائة من مقاعده الـ395، فضلًا عن مقعد واحد بمجلس المستشارين. وقد صدرت أولى هذه القرارات قبل خمسة أسابيع من الاقتراع التشريعي المقرر في 23 شتنبر 2026، وصدرت آخرها قبله بعشرين يومًا.

والإنصاف يقتضي هنا تنبيهًا ضروريًا: قرارات المحكمة تثبت الوقائع القانونية، من استقالة أو تخلٍّ، والآثار المترتبة عليها، لكنها لا تكشف وحدها نيات أصحابها، ولا تثبت أن كل استقالة كانت مقدمة للانتقال إلى حزب آخر. وقد يكون لكل استقالة تفسيرها؛ فقد يختلف نائب مع قيادة حزبه، أو يشعر آخر بأنه لم يعد يمثل الخط السياسي نفسه، أو يُهمّش ثالث داخليًا، أو يدخل في نزاع حول التزكية، أو يرى أن حزبه لم يعد يعبر عن قناعاته. وكل ذلك مفهوم، فالانتماء الحزبي ليس عقدًا أبديًا، ولا ينبغي أن يتحول إلى حكم بالسجن المؤبد. غير أن تركز هذا العدد من الاستقالات وحالات التخلي في الأسابيع الأخيرة السابقة للانتخابات يجعل السؤال مشروعًا، ويمنع التعامل مع الوقائع كلها كما لو كانت مصادفات منفصلة أو تحولات فلسفية مفاجئة في ضمير المنتخبين.

فكم من سياسي قضى سنوات كاملة داخل حزب من دون أن يكتشف اختلافه العميق معه، ثم نزل عليه الوحي السياسي قبل إغلاق باب الترشيحات بأسابيع؟ وكم تحتاج القناعة السياسية عادةً من الوقت كي تتغير: خمس سنوات كاملة، أم المدة الفاصلة بين إعلان التزكيات وإيداع ملفات الترشيح؟ هنا يتحول الترحال من مسألة تخص الأشخاص إلى مسألة تمس معنى الحزب نفسه؛ فالحزب، نظريًا، ليس مجرد لافتة تُعلّق فوق المقر أيام الانتخابات، بل يُفترض أن يكون تصورًا للمجتمع، وبرنامجًا للحكم، واختيارات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتنظيمًا يؤطر المواطنين، وينتج النخب، ويقدمها إلى الناخبين.

لكن ماذا يبقى من هذا المعنى عندما يصبح الانتقال بين الأحزاب سهلًا إلى درجة أن السياسي يستطيع أن يترشح بلون في انتخابات، ثم يظهر بلون آخر في الانتخابات التالية، من دون أن يشعر حتى بالحاجة إلى تفسير التحول الفكري الذي قاده من المشروع الأول إلى المشروع الثاني؟ تصبح الأحزاب، في أسوأ الحالات، شبيهة بمراعٍ موسمية؛ فالرحّال لا يسأل كثيرًا عن طبيعة الأرض، وإنما عن قدرتها على إطعام القطيع، ويصبح السؤال الذي يوجه حركته بسيطًا: أين توجد التزكية؟ إن كانت هنا حططنا الرحال هنا، وإن انتقلت إلى هناك شددنا الرحال إليها، وحين يجف المرعى لا يعود للوفاء للرمال معنى كبير.

غير أن المقعد البرلماني ليس ملكًا شخصيًا للنائب وحده. فالناخب، حين يصوت، لا يضع علامته أمام اسم معلق في الفراغ، وإنما يصوت لاسم داخل منظومة حزبية تتكون من رمز ولائحة وبرنامج وحملة وتمويل وتنظيم وصورة سياسية عامة. وقد يكون للمرشح رصيد شخصي كبير، وقد تكون شعبيته المحلية العامل الحاسم في فوزه، وهذا واقع لا يمكن إنكاره، لكن إذا أصبح الشخص أهم من الحزب إلى درجة يغدو معها الحزب مجرد وسيلة نقل توصله إلى البرلمان، فنحن لم نعد أمام حياة حزبية بالمعنى الكامل، بل أمام سوق انتخابية يحمل فيها بعض المرشحين رأسمالهم الانتخابي من خيمة إلى أخرى.

وهنا تبدو المفارقة الكبرى؛ فقد حاول الدستور المغربي إنهاء الترحال السياسي داخل البرلمان، وأغلق الفصل 61 الطريق أمام نائب يريد الاحتفاظ بمقعده وفي الوقت نفسه التخلي، خلال الولاية، عن الحزب الذي ترشح باسمه. كما أظهرت القرارات الأخيرة أن ترتيب الوقائع مهم، فإذا سبق الرحيل عن الحزب الاستقالة من المجلس تحقق التخلي وترتب عنه التجريد، ولا تمحو الاستقالة اللاحقة أثره. لكن الترحال لم يختف، بل تعلّم أصحابه الطريق حول الحاجز؛ فبدلًا من الانتقال إلى حزب آخر مع حمل المقعد القديم، يمكن أن يبدأ المسار بالاستقالة من المجلس، ثم يشد صاحبه الرحال، بعد التصريح بشغور المقعد، نحو الانتخابات المقبلة تحت مظلة جديدة. لقد تغير المسار، لكن القافلة ما تزال تسير.

لا تعود المشكلة، والحال هذه، قانونية فقط؛ فمن المستحيل أن يحيط القانون بكل أشكال الانتهازية السياسية، كما أنه ليس مرغوبًا أصلًا أن يُمنع إنسان إلى الأبد من تغيير رأيه أو حزبه. المشكلة الحقيقية ثقافية وحزبية وانتخابية، وتتعلق بما يعنيه الانتماء إلى حزب، وما تعنيه التزكية، وما إذا كان المواطن ينتخب مشروعًا سياسيًا أم شخصًا يبحث بدوره عن أفضل مركبة توصله إلى البرلمان.

قد يكون الترحال في الصحراء ضرورة، فالراعي الذي يبقى في أرض جف ماؤها قد يهلك هو وقطيعه، ولذلك لم يكن الترحال عند البدو عيبًا، بل كان فنًا في البقاء ومعرفة دقيقة بالأرض والفصول والنجوم. أما في السياسة، فالسؤال مختلف، لأن ما يُفترض أن يقود البرلماني ليس الكلأ والماء، بل فكرة يدافع عنها، وبرنامج انتُخب على أساسه، وناخب يستطيع، بعد خمس سنوات، أن يعرف على الأقل أين كان ممثله، وأين أصبح، ولماذا.

وإلى أن نجد جوابًا واضحًا عن ذلك، سيبقى للتقويم السياسي المغربي فصل إضافي غير الفصول الأربعة؛ فبعد الصيف، وقبل خريف الانتخابات بقليل، يحل موسم الترحال البرلماني، فتُفك الخيام، وتُراجع الخرائط، وتتحسس القوافل اتجاه الريح، بينما تلوح في البعيد، خلف كثبان الأحزاب، واحة صغيرة تحمل اسمًا واحدًا: التزكية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى