تشريعيات 23 شتنبر 2026 بين الانتظارات الشعبية والبرامج الحزبية

بقلم: محمد شقير
تتميز انتخابات 23 شتنبر 2026 بخصوصية سياسية تتجاوز مجرد التنافس على 395 مقعداً في مجلس النواب. فهي تأتي في لحظة تتقاطع فيها أزمة الثقة والعزوف، وتحول علاقة الأحزاب بالناخبين، وإعادة تشكيل النخب، وتشبيب الخطاب السياسي، وتشدد الدولة في ضبط العملية الانتخابية. وبالتالي تبرز خصوصيتها في أنها انتخابات تشريعية تدور حول «المشاركة» بقدر ما تدور حول النتائج.إذ أن المسألة الأساسية ليست فقط: من سيفوز؟ وإنما أيضاً: من سيشارك في صناعة النتيجة؟ فهذه الانتخابات تأتي في سياق أصبح فيه العزوف، خصوصاً الحضري والشبابي، مشكلة سياسية قائمة بذاتها. لذلك فإن ارتفاع أو انخفاض المشاركة لن يكون مجرد مؤشر تقني، بل سيؤثر في درجة الشرعية التمثيلية للبرلمان والحكومة المقبلة.ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الرسمي المتزايد بسلامة العملية الانتخابية وتتبعها؛ فقد جرى تفعيل لجنة مركزية ولجان ترابية لتتبع الانتخابات، في إطار التوجيهات الملكية المتعلقة بسلامتها. كما تتمثل خصوصية هذه الاانتخابات في أنها انتخابات«إعادة ترتيب النخب».إذ ليست المسألة فقط في تغيير الأغلبية أو المعارضة؛ بل هناك عملية أعمق تتمثل في إعادة تركيب النخب السياسية. فالترشيحات والاستقالات والتنقلات بين الأحزاب والصراع على التزكيات تشير إلى أن الانتخابات أصبحت لحظة لإعادة توزيع المواقع بين:النخب الحزبية القديمة؛ والأعيان والفاعلين المحليين؛ و رجال الأعمال؛ و المنتخبين السابقين؛ والوجوه الجديدة…وهذا ما يجعل انتخابات 2026 أقرب إلى انتخابات لإعادة تشكيل الخريطة النخبوية منها إلى مجرد انتخابات دورية.كما أنه من الخصائص اللافتة أيضاً أن انتخابات 23 شتنبر 2026 أنها تجري في ظل مجموعة من المقتضيات الرامية إلى تشديد النزاهة والشفافية.فقد تضمنت هذه المقتضيات الانتخابية قيوداً على ترشح أشخاص في حالات محددة مرتبطة بجرائم تمس النزاهة أو العملية الانتخابية، كما جرى تجريم بعض أشكال الإعلانات السياسية المؤدى عنها على المنصات الأجنبية، وإدخال ترتيبات جديدة مرتبطة بسرية التصويت. بالإضافة إلى ذلك يمكن النظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها اختباراً للعلاقة الجديدة بين الدولة والأحزاب. وهذه ربما هي الخصوصية السياسية الأعمق. إذ يمكن قراءة انتخابات 2026 باعتبارها اختباراً لنموذج جديد من العلاقة بين الدولة والأحزاب: فالدولة تريد انتخابات أكثر نزاهة وتنظيماً ومشاركة، والأحزاب مطالبة في المقابل بإعادة بناء قدرتها على الوساطة والتعبئة. ولعل هذه القدرة التعبوية تتوقف على مدى تجاوب برامج الاحزاب المتنافسة مع انتظارات مختلف الفئات والشرائح الشعبية.
- طبيعة الانتظارات الشعبية
إذا نظرنا إلى انتخابات 23 شتنبر 2026 ليس فقط باعتبارها منافسة بين الأحزاب، بل باعتبارها لحظة لاختبار العلاقة بين المواطن والمؤسسات، فإن الانتظارات الشعبية الكبرى تبدو مركزة في انتقال واضح من سؤال «من سيفوز؟» إلى سؤال «ماذا سيتغير بعد هذه الانتخابات؟». حيث تؤكدتعكس النقاشات الانتخابية الراهنة أن القدرة الشرائية، البطالة، الصحة، التعليم، والتقاعد أصبحت في صلب الاختبار الاجتماعي للبرامج.
1-1 تحسين القدرة الشرائية
يبدو أن أكثر الانتظارات الشعبية إلحاحاً وفورية خلال هذه الاستحقاقات :هي خفض أثر الغلاء، وتحسين القدرة الشرائية . ويمكن تفسير تصدر تحسين القدرة الشرائية ومحاربة الغلاء للانتظارات الشعبية في انتخابات 23 شتنبر 2026 من خلال تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بـ«ارتفاع التضخم»، بل بما يمكن تسميته تراكم أثر الغلاء على الحياة اليومية.فالناخب العادي أصبح يقيس الوضع الاقتصادي بما يدفعه، لا بمعدل التضخم. فقد انخفض معدل التضخم بشكل كبير مقارنة بذروة 2022–2023؛ لكن ذلك لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة. فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن المستوى العام للأسعار في 2024 كان أعلى بحوالي 17% من 2019، بينما كانت أسعار المواد الغذائية أعلى بحوالي 28% من مستواها قبل الجائحة. لذلك توجد فجوة بين:انخفاض سرعة ارتفاع الأسعار و انخفاض الأسعار.وهذه الفجوة تفسر لماذا يمكن أن تقول الحكومة إن التضخم تراجع، بينما يظل المواطن يقول: «الأسعار ما زالت غالية». إلى جانب هذا المعطى ، فمن المعروف أن الغذاء كان يحتل موقعاً مركزياً في ميزانية الأسر. وبالتالي فالغلاء في المواد الغذائية له أثر سياسي أكبر من ارتفاع أسعار بعض السلع الأخرى، لأنه يُدفع يومياً تقريباً: الخضر، اللحوم، الأسماك، الحليب، الزيوت، الحبوب… ولهذا فإن المواطن يختبر القدرة الشرائية في السوق وفي المطبخ قبل أن يختبرها في المؤشرات الاقتصادية.بل إن معطيات المندوبية السامية للتخطيط خلال 2026 أظهرت انخفاضات شهرية في أسعار الغذاء في بعض الأشهر، ومع ذلك بقي الإحساس بكلفة المعيشة مرتفعاً. بالإضافة إلى ذلك ،
فالغلاء لم يعد مشكلة الفئات الفقيرة وحدها. فقد حدث تحول سياسي مهم خلال السنوات الأخيرة خاصة بالتي تلت أزمة كوفيد. ففي السابق كان يمكن اختزال «القدرة الشرائية» في حماية الفئات الهشة. أما الآن فقد أصبحت القضية تشمل أيضاً الطبقة الوسطى خاصة في المدن الكبرى.فهذه الأخيرة تشعر بالضغط من عدة جهات في الوقت نفسه: الغذاء؛ و السكن؛ و النقل؛ وتكاليف التعليم والصحة خاصة الخصوصية …كما أن المشكلة السياسية ليست فقط في ارتفاع الأسعار، وإنما في العلاقة بين الأسعار والدخل. فقد يرتفع الأجر اسمياً، لكن إذا ارتفعت تكلفة الغذاء والسكن والنقل والتعليم بوتيرة أكبر، فإن المواطن يشعر بأنه أصبح أفقر رغم زيادة دخله. فقد قامت حكومة أخنوش بزيادات مهمة في أجور عدة فئات من الموظفين خاصة في قطاع التعليم والصحة أبلغت 1000 درهم لكن انعكاساتها كانت ضعيفة لارتفاع تكاليف المعيشة بما فيها أسعار المواد الاساسية خاصة أسعار اللحوم الحمراء في بلد يعتبر بلدا فلاحيا. ولعل عدم ذبح الأضحية يمكن أن يكون قد أثّر بوضوح في طبيعة الانتظارات الشعبية من انتخابات 23 شتنبر 2026، لكن ليس بمعنى أن الناخب سيصوّت مباشرة بسبب قرار الأضحية؛ بل لأنه حوّل موضوعاً دينياً وعائلياً إلى تجربة معيشية مرتبطة بالقدرة الشرائية، والأسعار، وتدبير الدولة للسوق.فالقرار الملكي صدر في فبراير 2025، لكن آثاره الاجتماعية والاقتصادية استمرت في النقاش العمومي إلى 2026، بل إن الحكومة اتخذت في ماي 2026 تدابير لتنظيم سوق أضاحي العيد ومحاربة الارتفاع غير المبرر للأسعار، ومع ذلك واجهت الاسر المغربية بما فيها الاسر المتوسطة صعوبات مالية لاقتناء كبش العيد في حين أن فئات من الاسر الهشة لم تتمكن من هذا الاقتناء.وهنا تتحول القدرة الشرائية إلى سؤال عن العدالة الاجتماعية وتوزيع ثمار النمو، وليس مجرد سؤال اقتصادي تقني. لأن الغلاء أصبح يمس الحياة اليومية للمغاربة أكثر من أي قضية اقتصادية أخرى.فالبطالة مثلاً مشكلة خطيرة، لكنها لا تمس جميع الأسر بالطريقة نفسها.أما الغلاء فيمكن أن يشعر به العامل، والموظف، والمتقاعد، والفلاح، والتاجر،والطالب والأسرة ذات الدخل المحدود أو المتوسط.ولهذا فإن الغلاء قضية جامعة اجتماعياً، وقابلة للتحول بسرعة إلى مطلب سياسي وانتخابي.فالنقاش البرلماني نفسه خلال 2026 ركز على المضاربة والاحتكار والتفاهمات غير القانونية وهوامش الأسعار وسلاسل التوزيع.فالغلاء أصبح معياراً للحكم على الحكومة المنتهية ولايتها.لذلك يمكن أن يتحول الغلاء إلى استفتاء ضمني على الحصيلة الحكومية. كما أن خصوصية هذه الانتخابات التي ستجرى خلال شهر شتنبر الذي يتزامن مع بداية الدخول المدرسي، وهي فترة ترتفع فيها مصاريف الأسر بشكل كبير: التسجيل، الكتب، الأدوات، النقل، الملابس، الدروس هذه السنة. أي أن الناخب يدخل إلى الانتخابات وهو يعيش لحظة إنفاق مرتفع مما قد يؤثر بلا شك على سلوكه الانتخابي سواء بالمقاطعة أو الورقة البيضاء أو التصويت لصالح الحزب الذي يتوسم فيه تحس مواجهة الغلاء و تحسين قدرته الشرائية.
2-1-الشغل، وخاصة بالنسبة إلى الشباب
إذا اعتبرنا الغلاء وتحسين القدرة الشرائية هو الانتظار الشعبي الأول، فالانتظار الثاني في انتخابات 23 شتنبر 2026 هو الشغل، وبالأخص تشغيل الشباب.وهذا ليس مجرد ترتيب اعتباطي؛ فالنقاش الانتخابي الحالي يضع القدرة الشرائية، التشغيل، والخدمات العمومية في قلب مطالب الناخبين، مع حضور قوي للصحة والتعليم والحكامة والثقة. ولعل تفسير لماذا يأتي الشغل في المرتبة الثانية؟ قد يرجع إلى أن الغلاء يضغط على من لديه دخل، بينما البطالة تضرب من لا يملك دخلاً أصلاً.وهذا يجعل التشغيل، وخاصة بالنسبة للشباب، الوجه الآخر للقدرة الشرائية:
لذلك لا يمكن معالجة أزمة المعيشة فقط عبر الدعم أو رفع الأجور؛ فبالنسبة إلى الشاب العاطل، المشكلة الأساسية هي الدخول إلى سوق العمل. لأن التشغيل يكشف حدود النموذج الاقتصادي. فالمواطن لا يكتفي بأن يسمع عن الاستثمارات والمشاريع الكبرى؛ بل يريد معرفة: كم فرصة عمل ستنتج؟ ولمن؟ وأين؟ وهنا يتحول الانتظار الشعبي من مؤشرات الاقتصاد الكلي إلى سؤال مباشر عن توزيع ثمار النمو.. فالتشغيل هو المدخل إلى الاستقلال عن الأسرة.فبالنسبة إلى جزء كبير من الشباب، الوظيفة أو العمل لا تعني فقط راتباً، وإنما تعني:الاستقلال عن الأسرة؛ و القدرة على الزواج وتكوين أسرة؛ والحصول على السكن؛ والاستهلاك دون الاعتماد على الوالدين؛ والإحساس بالكرامة والاندماج الاجتماعي.لذلك فإن البطالة عند الشباب ليست مشكلة اقتصادية فقط، وإنما مشكلة اندماج اجتماعي وسياسي .فإذا كانت الأحزاب والسلطة تتحدث بكثافة عن الشباب، فإن الشباب ينتظر مقابلاً مادياً واجتماعياً لهذا الخطاب: عمل، دخل، استقلال اقتصادي، وسكن وتكوين ومسار مهني. وهنا تظهر علاقة قوية بين الانتظارين الأول والثاني.
3-1-تجويد الخدمات العمومية
إذا انتقلنا من المطالب الاقتصادية المباشرة إلى المطالب المرتبطة بجودة خدمات الدولة، فإن الصحة والتعليم يمكن أن ينافسا التشغيل بقوة. لتعليم والصحة هما الوجه الآخر لمطلب القدرة الشرائية. فإذا كان الغلاء يدفع المواطن إلى المطالبة بـدخل أكبر وأسعار أقل، فإن ضعف التعليم والصحة يدفعه إلى السؤال: ماذا تقدم لي الدولة مقابل ما أدفعه من ضرائب ومساهمات؟ فالمواطن أصبح لا يقيس الدولة الاجتماعية فقط بما يحصل عليه من دعم مالي، وإنما أيضاً بما يحصل عليه من خدمات عمومية جيدة.فتوسيع التغطية الصحية والحماية الاجتماعية لم ينهِ مشكلة الولوج الفعلي إلى خدمات صحية ذات جودة، وهو ما جعل «الدولة الاجتماعية» نفسها موضع اختبار انتخابي. فرفع الصحة والتعليم إلى مقدمة الشعارات التي تداولتها حركة جيل زيد لم يكن اختياراً عشوائياً، بل يعكس تحوّلاً في نوع المطالب التي يحملها جيل جديد تجاه الدولة. فالاحتجاجات التي عُرفت بـ«جيل زد 212» والتي بدأت في 27 سبتمبر 2025، ، ثم أصبحت مطالبها جزءاً من النقاش الانتخابي مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026 ، كانت الصحة والتعليم من أولى المطالب، إلى جانب التشغيل ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات العمومية..لأنهما يمثلان التجربة اليومية المباشرة مع الدولة.فالشاب قد لا يتعامل مباشرة مع السياسات المالية أو الماكرو-اقتصادية، لكنه يتعامل مع: المدرسة والجامعة؛ والمستشفى والمستوصف؛و الطبيب والأستاذ؛ والإدارة والخدمات العمومية.لذلك فإن تردي الصحة والتعليم يجعل الدولة محسوسة في الحياة اليومية. وهذا يفسر قوة شعار مثل «الشعب يريد الصحة والتعليم»: فهو لا يطالب بإجراء تقني، بل يطالب بإعادة تعريف ما يعتبره المواطن حقاً أساسياً. .لأن الصحة والتعليم يمسان فكرة «الكرامة».ففي تصور «جيل زد 212»، الصحة ليست فقط وجود مستشفى، وإنما الحصول على العلاج دون إذلال أو تمييز مرتبط بالثروة أو الموقع أو العلاقات، والتعليم ليس مجرد الولوج إلى المدرسة وإنما تعليم جيد يفتح آفاقاً فعلية. وهذا واضح في التصور الذي تقدمه الحركة عن الصحة والتعليم باعتبارهما جزءاً من الكرامة.
وبالتالي يمكن بناء هرم أولي للانتظارات الشعبية قبيل هذه الانتخابات كالشكل التالي:
1. القدرة الشرائية ومحاربة الغلاء
2. الشغل، خصوصاً تشغيل الشباب
3. الصحة والتعليم والخدمات العمومية
4. محاربة الفساد والريع وتحقيق تكافؤ الفرص
2-طبيعة البرامج الحزبية
إذا نظرنا إلى البرامج الحزبية المغربية في أفق انتخابات 23 شتنبر 2026 من زاوية علاقتها بالانتظارات الشعبية، فإن الملاحظة الأساسية هي وجود تقارب كبير في تشخيص المشكلات، مقابل اختلاف نسبي في طرق معالجتها.
1-2. الانتقال من «الإيديولوجيا» إلى «المعيشة اليومية»
تبدو البرامج الانتخابية المقدمة من طرف جل الاحزاب المتنافسة أقل اهتماماً بالتصورات الإيديولوجية الكبرى، وأكثر التصاقاً بما يمكن تسميته «اقتصاد الحياة اليومية»: كالأسعار والقدرة الشرائية؛ والشغل، خصوصاً شغل الشباب؛ والصحة؛ والتعليم؛و السكن؛ والحماية الاجتماعية؛و التقاعد؛ والماء والأمن الغذائي؛ والخدمات العمومية.فمثلاً، يضع حزب الأصالة والمعاصرة القدرة الشرائية وإدماج الشباب والمواطنة والأمان والنمو في قلب برنامجه، ويقرن عدداً من وعوده بأرقام وتمويلات محددة. في حين يركز برنامج التقدم والاشتراكية على الكرامة، المدرسة والمستشفى العموميين، التشغيل وإعادة بناء الطبقة الوسطى والعدالة الاجتماعية.وهذا يعني أن البرنامج الحزبي أصبح يحاول الاقتراب من المواطن عبر مطالبه المادية المباشرة أكثر من اقترابه منه عبر الهوية الإيديولوجية..فالقدرة الشرائية أصبحت «لغة انتخابية مشتركة» ، حيث لم تعد القدرة الشرائية قضية حزب أو تيار اجتماعي معين، بل أصبحت تقريباً القاسم المشترك للخطاب الانتخابي. فحزب الأصالة والمعاصرة يتحدث عن خفض الأسعار والأجور والمعاشات والدعم الاجتماعي، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يركز على رفع الأجور وخفض كلفة الصحة والتعليم، والحركة الشعبية تتحدث عن حماية دخل الأسر وإعادة التوازن للسوق.وهذا يكشف أن الأحزاب تقرأ الانتظارات الشعبية باعتبارها انتظارات اجتماعية بالدرجة الأولى.
2.2 الشباب: من «فئة ديموغرافية» إلى مشكلة سياسية
من اللافت أن الشباب حاضر في البرامج الانتخابية لجل الأحزاب المتنافسة ليس فقط باعتباره «مستقبل البلاد»، وإنما باعتباره حاملاً لانتظارات محددة من تكوين ، وشغل ، وسكن ، واستقلال اقتصادي …فبرنامج حزب الأصالة والمعاصرة، مثلاً، يربط إدماج الشباب بالتعليم والتكوين والشغل والسكن والحركية المهنية، بينما تتجه برامج أخرى إلى دعم المشاريع والتشغيل الأول والتكوين المرتبط بسوق العمل. وهنا تظهر مفارقة مهمة: فكلما تراجع انخراط الشباب في السياسة الحزبية والانتخابية، ازدادت مركزية الشباب في الخطاب الانتخابي. أي أن الأحزاب تحاول استعادة الشباب خطابياً قبل أن تنجح بالضرورة في استعادته انتخابياً. وهكذا فإن تحسين وضعية الشباب أصبح أحد المحاور المركزية في البرامج الانتخابية لمعظم الأحزاب المغربية في انتخابات 23 شتنبر 2026. فمثلاً، جعل حزب الأصالة والمعاصرة «ميثاق إدماج الشباب» أولوية ثانية في برنامجه، وربطه بالتعليم والتكوين والشغل والسكن والحركية المهنية، بينما خصص حزب الاستقلال برنامجاً للشباب يتضمن التشغيل والتعليم والسكن والصحة والمشاركة السياسية. كما ركز برنامج العدالة والتنمية على فئة الشباب غير المشتغلين وغير المتمدرسين وغير المستفيدين من التكوين. ولعل مركزية قضية الشباب في البرامج الانتخابية للأحزاب المتنافسة يرجع بالأساس إلى تحول من «فئة ديموغرافية» إلى مشكلة سياسية. ففي السابق كان الحديث عن الشباب غالباً باعتبارهم «مستقبل البلاد». أما اليوم فأصبح السؤال:ماذا تقدم الدولة للشاب الآن؟أي أن الخطاب انتقل من شباب المستقبل إلى شباب الحاضر.فالشاب يريد اليوم عملاً، ودخلاً، وسكناً، وتعليماً جيداً، وصحة، وإمكانية للترقي الاجتماعي. وبالتالي فإن «قضية الشباب» أصبحت في الواقع اختصاراً لمجموعة كبيرة من الاختلالات الاجتماعية. كما أن معضلة التشغيل جعل الشباب في قلب الأزمة الاجتماعية.فالشاب يمكن أن يتعايش نسبياً مع ضعف بعض الخدمات، لكنه يجد صعوبة أكبر في بناء حياته من دون دخل مستقر.ولهذا نجد البرامج الانتخابية تربط الشباب بالتشغيل وليس بمجرد «المشاركة الشبابية». فبرنامج حزب الاصالة والمعاصرة الانتخابي، مثلاً، يقترح خلق مليون منصب شغل صافٍ خلال الولاية، ويضع إدماج الشباب ضمن مواثيقه الأساسية. لكن بالإضافة إلى هذه القضايا المرتبطة بوضعية الشباب والتي كانت حاضرة في خطاب الأحزاب، فإن هذه المركزية التي هيمنت على برامج الأحزاب خلال هذه الانتخابات ترجع أيضا إلى تداعيات حراك جيل زيد. «فجيل زد 212» غيّر معنى الخطاب حول الشباب. فقبل احتجاجات جيل زد كان بإمكان الأحزاب أن تتحدث عن الشباب من خلال التشبيب، وتمكين الشباب، ومشاركة الشباب، والشباب مستقبل الوطن…لكن الاحتجاجات جعلت الشباب أنفسهم يفرضون أجندة أكثر تحديداً كالصحة ، و التعليم ، و التشغيل و محاربة الفساد و جودة الخدمات و الكرامة. إذ يمكن القول أن جيل زد ساهم في إعادة ترتيب معنى «الدولة الاجتماعية». إذ لم يعد كافياً أن تقول الدولة لدينا تغطية صحية، وبرامج اجتماعية، وميزانيات كبيرة للتعليم والصحة. بل السؤال الجديد هوهل يشعر المواطن فعلاً بتحسن الخدمة التي يتلقاها؟ .وهذا ما يجعل مطالب جيل زد ذات تأثير يتجاوز حجم الحركة نفسها. فمع اقتراب انتخابات 2026، أصبحت الصحة والتعليم والتشغيل ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات العمومية قضايا تتقاطع بوضوح مع البرامج الانتخابية.ولهذا بدأت الأحزاب في إعادة صياغة برامجها بما يلتقط ويتجاوب مع هذه المطالب. الشبابية . حيث تشير تغطية البرامج الانتخابية الحالية صراحة إلى أن مطالب جيل زيد أصبحت حاضرة في برامج عدد من الأحزاب. فحراك جيل زد نقل الشباب من موضوع للخطاب السياسي إلى فاعل يضغط على الخطاب السياسي. إلى جانب ذلك ، فما يفسر هذه ا”لمركزية الشبابية “في برامج الأحزاب الانتخابية مواجهة مشكلة العزوف الشبابي. فالاحزاب لا تريد فقط أن تقنع الشباب ببرنامجها، وإنما تريد أولاً أن تقنعهم بأن التصويت يستحق العناء.وهنا تصبح معالجة مشاكل الشباب وسيلة لمحاولة استعادة الصلة بين الحزب والناخب الشاب.واللافت أن الدولة نفسها اتخذت، في المنظومة الانتخابية، إجراءات لتعزيز تمثيلية الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، وتسهيل ترشح الشباب غير المنتمين حزبياً، وإدماجهم في تأسيس الأحزاب. وهذا يعكس إدراكاً رسمياً بأن ضعف مشاركة الشباب ليس مجرد مشكلة حزبية، بل مشكلة في التمثيلية السياسية نفسها.
3-2 تشابه البرامج الانتخابية والمزايدة السياسية
إن تشابه البرامج الانتخابية بين الأحزاب يمكن أن يدفع بقوة نحو المزايدة السياسية في الوعود، لكن ليس بصورة آلية. وكلما تقلصت الفوارق الإيديولوجية والسياساتية بين الأحزاب، أصبحت كمية الوعد وحجمه ورقمه وسيلة أساسية لتمييز حزب عن منافسيه.فعندما تتشابه الأولويات، تنتقل المنافسة إلى «حجم الوعد». فإذا كانت معظم الأحزاب المتنافسة تقول إنها ستعمل على: تحسين القدرة الشرائية؛ ومحاربة الغلاء؛ وخلق فرص الشغل؛ وإصلاح الصحة والتعليم؛ ودعم الشباب؛ وتوسيع الحماية الاجتماعية؛فإن الناخب يجد صعوبة في التمييز بينها على مستوى الأهداف العامة. عندها ينتقل التنافس الانتخابي إلى سؤال آخر: من سيقدم أكثر؟ وهنا تظهر المزايدة السياسية التي تتمثل في الوعد بعدد أكبر من الوظائف، ودعم أكبر، استثمارات أكبر، عدد أكبر من المؤسسات، نسب نمو أعلى، آجال أقصر…إذا وعد حزب بـ500 ألف منصب شغل، يصبح من السهل على منافس أن يقول: مليون منصب. وإذا تعهد حزب باستثمار مبلغ معين، يستطيع حزب آخر رفع الرقم.وبالتالي يتحول الرقم من أداة للتخطيط إلى أداة للمزايدة الانتخابية.وهذا يمكن تسميته بـ:«التضخم الوعودي» أو «المنافسة التصاعدية في الوعود». فالمقارنة تصبح أكثر دلالة إذا أخذنا التشغيل تحديدًا، لأن التشابه بين بعض الوعود يكاد يكون واضحًا جدًا:فالتجمع الوطني للأحرار قدم مليون منصب شغل خلال الولاية المقبلة، مع توزيعها قطاعيًا: 300 ألف في السياحة والخدمات والثقافة والترفيه، و250 ألفًا في الرقمنة، و150 ألفًا في الفلاحة، إضافة إلى الصناعة والأوراش الكبرى. في حين عرض حزبالأصالة والمعاصرة خلق مليون منصب شغل صافٍ على الأقل خلال الولاية الخماسية 2027–2031، أي 200 ألف منصب صافي سنويًا، مع خفض البطالة من 10.8% إلى 7% في 2031. كما يفصل البرنامج المليون قطاعيًا: 360 ألفًا في الخدمات، 270 ألفًا في اقتصاد المعرفة، 250 ألفًا في الصناعة، 80 ألفًا في الفلاحة، و40 ألفًا في اقتصاد الرياضة.وهكذا فالمثير سياسيًا هو أن RNI وPAM وصلا إلى الرقم نفسه: مليون منصب شغل. لكن الفرق في الصياغة مهم:فحزب التجمع يربط المليون بما يعتبره حصيلة ولايته، ويشير إلى أن عدد المناصب قد يصل إلى 900–950 ألفًا بنهاية 2026. أما حزب الاصالة فيربط مليون منصب بالتزام انتخابي جديد، مع محاولة إعطائه هندسة أكثر تفصيلاً: 200 ألف سنويًا، توزيع قطاعي، ونسبة بطالة مستهدفة 7%.وبالتالي فإن تشابه الرقم لا يعني تطابق المعنى السياسي. فعندما يصبح «مليون منصب شغل» هو السقف الرمزي الذي تتنافس حوله الأحزاب، يفقد الرقم بعض قدرته على التمييز بينها.فإذا قال RNI مليون، ثم قال PAM مليون، لا يعود الرقم وحده وبأي معدل بطالة؟ من هنا يظهر أن تشابه البرامج يؤدي إلى «المزايدة بدل التمايز» . ففي المنافسة الحزبية الطبيعية، يفترض أن يميز الحزب نفسه من خلال اختيارات مختلفة.لكن عندما تصبح البرامج متقاربة، يمكن أن يحدث العكس. حيث أن تشابه الأولويات و صعوبة التمايز يفضي إلى البحث عن عناصر جذب بديلة و تضخيم الوعود والأرقام. وهنا لا يعود السؤال:أي نموذج اقتصادي واجتماعي نريد؟ بل:من سيعطي أكثر؟ ومن سيحقق أسرع؟
ولعل مما ضاعف من هذه المزايدة السياسية هو أن في انتخابات 2026، توجد قضايا قابلة جدًا للمزايدة لأنها تمس الحياة اليومية مباشرة: كارتفاع الأسعار و انخفاض الأجور ، وارتفاع معدل البطالة … وهذه القضايا تسمح للأحزاب بتحويل المطالب الاجتماعية إلى وعود كمية قابلة للتسويق.. فتشابه البرامج الانتخابية يخلق قابلية للمزايدة، ولغة الأرقام توفر للأحزاب الوسيلة المثالية لهذه المزايدة. وبذلك قد تنتقل المنافسة الانتخابية من:«اختلاف البرامج»
إلى «التنافس على سقف الوعود» ثم إلى:«التنافس على الرقم الأكبر».وهذا يطرح سؤالًا أعمق بالنسبة لانتخابات 23 شتنبر 2026: هل أصبحت المزايدة في الوعود نتيجة لضعف التمايز البرنامجي بين الأحزاب، بحيث يحاول كل حزب تعويض التشابه السياسي بزيادة حجم ما يعد به الناخب؟ فهيمنة الدولة على تحديد الإطار العام للسياسات العمومية، مع تأثير المؤسسات الدولية في تحديد الإصلاحات والأولويات، تساهم في إنتاج تقارب برامج الأحزاب؛ وهذا التقارب يدفع الأحزاب إلى البحث عن التمايز ليس في نوع السياسات، بل في حجم الوعود والأرقام وسرعة الإنجاز.
فبخلاف العقود السابقة التي كانت فيها الأحزاب تمتلك تصورات اقتصادية واجتماعية أكثر تمايزاً، كان التنافس يمكن أن يكون حول سؤال:أي نموذج للتنمية؟ وأي دور للدولة والسوق والمجتمع؟ أصبحت هذه الأحزاب في الوقت الراهن تجمع على عناوين مثل الدولة الاجتماعية؛ و تحسين القدرة الشرائية؛ والحماية الاجتماعية؛ ودعم الاستثمار؛ والرقمنة؛و تقليص الفوارق المجالية…وبالتالي، عندما تتفق الأحزاب على الأهداف الكبرى، يصبح التنافس حول حجم الانجاز ومدته وبأي رقم؟. وهنا تظهر المزايدة الانتخابية. فالدولة بتوجهاتها الاقتصادية والاجتماعية العامة التي لخصت فيما أصبح يسمى بالنموذج الاقتصادي الجديد، تحدد «السقف العام» للتنافس السياسي بين الأحزاب المتنافسة . فالدولة لا تترك المجال السياسي فارغاً، بل توجد اختيارات استراتيجية كبرى مرتبطة بالنموذج التنموي، والدولة الاجتماعية، والاستثمار، والحماية الاجتماعية، والبنيات التحتية وغيرها. الأحزاب لا تبدأ من الصفر، ولذلك لا تستطيع في الغالب أن تقدم نفسها من خلال رفض جذري لهذه الاختيارات؛ بل تحاول أن تقول: «نحن سننجز الاختيارات نفسها، ولكن بصورة أفضل وأسرع وأكثر عدالة.»ومن هنا تتحول المنافسة من تنافس على الاتجاه إلى تنافس على الأداء. فعلى الرغم من أن تحالف اليسار يشذ عن القاعدة جزئياً، لكنه لا يخرج منها بالكامل. فتحالف اليسار، بخلاف التجمع و الاصالة مثلاً، يحاول أن يجعل الاختلاف في طبيعة الاختيارات نفسها، وليس فقط في كمية الوعود. فميثاقه يتحدث صراحة عن تغيير دستوري وسياسي عميق، والملكية البرلمانية، وتفكيك بنى الريع والامتيازات، واقتصاد مختلط يقوم على قطاع عام قوي ومخطط، وإعادة توزيع الثروة. لكن المفارقة الانتخابية أن دخوله إلى المنافسة الانتخابية يجبره هو الآخر على تحويل هذا البديل إلى إجراءات وأرقام وكلفة مالية؛ ولذلك نجد برنامجه الانتخابي يتضمن 431 إجراء و500 مليار درهم. وبالتالي ،فتحالف اليسار يشذ عن قاعدة «المزايدة داخل الإجماع» من حيث مرجعيته واختياراته الكبرى، لكنه يعود جزئياً إلى هذه القاعدة عندما يحول مشروعه البديل إلى برنامج انتخابي قابل للتسويق والقياس.
وعموما فرغم أن الانتظارات الشعبية تبقى أوسع من البرامج الانتخابية الحزبية، فالانتظارات الشعبية لا يمكن أن تختزل في قضايا الشغل و الصحة و التعليم و مواجهة الغلاء، فهناك أيضاً انتظارات سياسية وأخلاقية: كالحد من الفساد والريع؛ ومحاربة المحسوبية؛ وتحسين علاقة الإدارة بالمواطن؛ والعدالة المجالية؛ وتجديد النخب السياسية.
واللافت أن هذه القضايا تظهر في مختلف البرامج الحزبية لكن غالباً بدرجة أقل من القضايا الاقتصادية والاجتماعية المباشرة. حيث تضع بعض البرامج الحكامة ومحاربة الفساد وربط المسؤولية بالمحاسبة ضمن محاورها، إلى جانب الاقتصاد والتشغيل والحماية الاجتماعية. وبالتالي يمكن القول إن البرامج الحزبية في المغرب سنة 2026 أصبحت أكثر قرباً من الانتظارات الشعبية من حيث الموضوع، لكنها لم تحسم بعد مشكلة الثقة من حيث المضمون السياسي. فقد يكون البرنامج الحزبي مفصلاً ومكلفاً، لكن الناخب قد يقرر بناءً على شخصية المرشح، وقدرته على حل مشكل محلي، أو شبكته الاجتماعية. فما زالت هناك مفارقة بين تطور البرامج الحزبية من جهة، واستمرار الشخصنة والأعيان والشبكات المحلية من جهة أخرى. فالمشكلة لم تعد في أن الأحزاب لا تعرف ماذا يريد المواطن، بل في مدى قدرتها على تحويل ما يعرفه المواطن أنه يحتاجه إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ثم إقناعه بأن الحزب قادر فعلاً على تنفيذها.لذلك فإن الرهان الحقيقي لانتخابات 23 شتنبر 2026 ليس فقط تشكيل أغلبية حكومية جديدة، وإنما تحديد ما إذا كانت الدولة والأحزاب قادرتين على تحويل الاحتجاجات والانتظارات الاجتماعية المتراكمة إلى تعاقد سياسي جديد قابل للتنفيذ. وهذا هو ما يعطي انتخابات 2026 خصوصيتها مقارنة بمجرد تداول حكومي عادي.





