حين تصبح الخضر حلماً للفقراء.. من يرحم موائد المغاربة أمام لهيب الأسعار؟

بشرى عطوشي

لم يعد الفقر في المغرب يُقاس بالعجز عن شراء اللحم أو السمك فحسب، بل صار يُقاس أيضاً بقدرة رب الأسرة على العودة إلى بيته بكيس من الخضر يكفي لإعداد وجبة تحفظ لأبنائه حقهم في غذاء بسيط.

مشهد يومي تختصره نظرات التردد أمام صناديق الطماطم والبطاطس والبصل، حين يكتشف المواطن أن ما في جيبه لم يعد كافياً لشراء ما تحتاجه أسرته، حتى بعد أن تخلى عن كثير من حاجياته الأخرى.

أي واقع هذا الذي يجعل أباً يقف أمام بائع الخضر، يحسب ثمن كل كيلوغرام قبل أن يقرر ما سيحذفه من قائمة مشترياته؟ وأي ضغط معيشي هذا الذي يدفع أماً إلى ترتيب وجبة أسرتها وفق ما تسمح به النقود، لا وفق ما يحتاجه أطفالها؟ تفاصيل قد تبدو عادية لمن لا يشعر بوطأة الغلاء، لكنها بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل معركة يومية صامتة، عنوانها البحث عن لقمة كريمة في سوق لا يرحم أصحاب الجيوب الفارغة.

لقد كان المواطن البسيط يجد في الخضر بديلاً عن اللحوم التي ابتعدت عن متناوله في كثير من الأحيان، لكن ارتفاع أسعارها يضيّق عليه هذا الهامش الأخير. فلم يعد السؤال داخل بعض البيوت المغربية: ماذا سنطبخ اليوم؟ بل: ماذا نستطيع أن نشتري اليوم بما تبقى من المال؟ وهنا تبلغ الأزمة ذروتها الإنسانية، حين يتحول تدبير وجبة متواضعة إلى حسابات مرهقة، ويصبح طبق الخضر بلا لحم حلماً مؤجلاً لدى أسر كان يُفترض أن تجد في هذا الخيار حداً أدنى من التخفيف عن ميزانيتها.

وراء كل زيادة في أسعار المواد الأساسية أسرةٌ قد تضطر إلى الاستغناء عن صنف غذائي، وأبٌ يحاول إخفاء عجزه عن تلبية حاجيات أبنائه، وأمٌّ تسعى إلى إقناع أطفالها بما توفر، ومواطنون محاصرون بين أجور محدودة ومصاريف لا تتوقف عن الارتفاع. وليس من العدل أن يُترك هؤلاء وحدهم في مواجهة سوق لا يفهم لغة الانتظار، ولا يمنح الفقير مهلة حتى تتحسن أحواله.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً: أين مسؤولية الجهات المختصة؟ وأين أثر مراقبة الأسواق وحماية المستهلك وضبط مسالك التوزيع؟ فالحديث عن الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل قد يفسر جانباً من تقلبات الأسعار، لكنه لا يعفي المؤسسات المعنية من واجب تقديم الأرقام والتوضيحات، والتحقق من أسباب الفوارق بين أسعار الخضر عند المنتجين وأسعارها في أسواق الجملة والتقسيط، والتدخل الحازم متى ثبت وجود احتكار أو مضاربة غير مشروعة أو إخلال بقواعد المنافسة.

ولا يكفي أن تُعلن التدابير، ولا أن تتكرر الوعود بحماية القدرة الشرائية، بينما يظل المواطن الطرف الأضعف في معادلة السوق. المطلوب إجراءات ملموسة، ومراقبة منتظمة، وشفافية في الأسعار، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في ممارسات غير قانونية، إلى جانب إصلاح مسالك التسويق بما يضمن وصول المنتجات إلى المستهلك بتكلفة معقولة. أما استمرار الغلاء دون تفسير واضح أو أثر محسوس للتدخلات، فيعمّق شعور المواطنين بأنهم تُركوا وحدهم لتحمل فاتورة اختلالات لا يملكون أدوات معالجتها.

ولا ينبغي النظر إلى هذه القضية باعتبارها شأناً يخص الفقراء وحدهم؛ فحين ترتفع كلفة الغذاء الأساسي تتضرر الأسر محدودة الدخل أولاً، ثم تمتد الضغوط إلى الطبقة المتوسطة التي تضطر إلى تقليص مصاريف أخرى لمواجهة متطلبات المعيشة. لذلك فالدفاع عن أسعار معقولة للخضر ليس مطلباً فئوياً، بل قضية اجتماعية تمس كرامة الإنسان واستقرار الأسرة وحق المواطنين في حياة تحفظ لهم الحد الأدنى من الطمأنينة.

إن المغرب الذي يطمح إلى تعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين ظروف عيش المواطنين مطالب بأن يجعل أثر السياسات العمومية ملموساً في الأسواق والبيوت، لا محصوراً في الأرقام والتصريحات. فالحماية الاجتماعية لا تُختبر عند تقديم الدعم فقط، بل أيضاً حين تستطيع الأسرة شراء غذائها الأساسي دون أن تقع في دوامة الاستدانة أو تضطر إلى التضحية بحاجيات ضرورية أخرى.

تخيلوا أن يصبح طبق الخضر الذي يجتمع حوله أفراد الأسرة أمنية يصعب تحقيقها، وأن يُطالَب الأب بتفسير عجزه عن شراء حاجيات كانت بالأمس في متناول يده. هنا لا يعود الأمر مجرد ارتفاع في الأسعار، بل يصبح سؤالاً عن العدالة الاجتماعية، وعن مسؤولية المؤسسات، وعن المعنى الحقيقي لصون كرامة المواطن.

الفقراء لا يطلبون امتيازات، ولا ينتظرون موائد مترفة، ولا يشترطون حضور اللحم كل يوم. إنهم يريدون فقط أن يشتروا الطماطم والبطاطس والبصل وبقية الخضر دون خوف من مجموع الفاتورة، وأن يعودوا إلى بيوتهم مطمئنين إلى قدرتهم على إعداد وجبة لأطفالهم.

فهل أصبح على المواطن البسيط أن يحلم حتى بطبق خضر؟ وإلى متى سيظل يؤدي ثمن الغلاء من قوت أسرته، بينما تنتظر منه الجهات المختصة الصبر والتكيف مع ارتفاع الأسعار؟

إن أخطر ما في الغلاء ليس ارتفاع الأثمان فحسب، بل أن يصل المواطن إلى مرحلة يعجز فيها عن توفير أبسط ما يحتاجه ليعيش بكرامة. وعندما يصبح طبق الخضر حلماً على مائدة الفقراء، فإن الصمت عن معاناتهم لم يعد خياراً، والتحرك لحماية قدرتهم الشرائية لم يعد مجرد إجراء اقتصادي، بل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى