الأرقام في البرامج الانتخابية الحزبية بالمغرب بين التنافس السياسي والمزايدة الانتخابية

بقلم: محمد شقير
تميزت برامج الاحزاب المتنافسة في تشريعيات 2021 بضمها لمجموعة من الأرقام : فحزب التجمع الوطني للأحرار وعد بمليون منصب شغل وإدماج 400 ألف أسرة قروية في الطبقة الوسطى ، ووعد حزب الأصالة والمعاصرة بـ820 ألف منصب إلى نهاية 2026، بينما التزم حزب الاستقلال بخفض البطالة إلى أقل من 9% وبطالة الشباب إلى أقل من 20%. لكن الجديد في تشريعيات 23 شتنبر 2026 هو اتساع هذا المنطق الاحصائي وتفصيله أكثر. فمثلاً، البرنامج الحالي للتجمع الوطني للأحرار لا يكتفي بمليون منصب شغل، بل يوزعها قطاعياً: 300 ألف في الصناعة، و250 ألفاً في الرقمنة، و150 ألفاً في الفلاحة، و300 ألف في السياحة والخدمات، مع هدف خفض البطالة إلى 9% في 2030. أما حزب الاصالة والمعاصرة فقد وعد هو الآخر بمليون فرصة عمل وزعها إلى : 360 ألفاً مرتبطة بمونديال 2030 والأنشطة المواكبة، و270 ألفاً في الخدمات ذات القيمة المضافة، و250 ألفاً في الصناعة، و80 ألفاً في الفلاحة، و40 ألفاً في اقتصاد الرياضة.أما حزب الاستقلال، فيقدم المليون منصب في إطار برنامج أكثر اتساعاً يقوم على خمسة مواثيق و20 التزاماً قابلاً للقياس، مع كلفة إجمالية مقدرة بـ350 مليار درهم على خمس سنوات .وفي نفس السياق لجأت الأحزاب المتوسطة بدورها إلى استعمال الأرقام والمؤشرات، لكن بدرجة أقل انتظاماً. فحزب التقدم والاشتراكية وعد في برنامج الانتخابي بمليون منصب شغل صافٍ خلال خمس سنوات، مع خفض البطالة إلى أقل من 10%، وتوظيف 18 ألف أستاذ سنوياً، وتجهيز 30 ألف حجرة دراسية إضافية، وإضافة 15 ألف طبيب و 33 ألف و 500 ممرض و9 آلاف سرير. كما دخلت جبهة القوى الديمقراطية بدورها بقوة في منطق الأهداف الرقمية، حيث تضمن ةبرنامجا خلق مليون فرصة شغل و خفض البطالة إلى 8%. كما تبنت بعض الأحزاب الصغرى لغة كمية ومؤشرات قابلة للقياس، فالحزب الديمقراطي الوطني، وهو حزب صغير، يقدم برنامجه تحت شعار «خريطة طريق واقعية»، ويتحدث عن مؤشرات قياس واضحة، لكنه لا يقدم في الصفحة المنشورة أرقاماً ضخمة مماثلة لمليون منصب. ولعل تركيز الأحزاب في برامجها الانتخابية على الأرقام والنسب والمؤشرات يبطن عدة خلفيات سياسية تتمثل في استخدامها كآلية للتنافس السياسي والانتخابي
أولا – خلفيات استخدام الأرقام في البرامج الانتخابية
إن تركيز الأحزاب المتنافسة في برامجها الانتخابية على الأرقام والنسب والمؤشرات الكمية ليس مجرد اختيار تقني، بل له دوافع سياسية وانتخابية وتواصلية متعددة، خصوصًا في سياق انتخابات 23 شتنبر 2026.
1- الدلالة السياسية للتركيز على رقم مليون في خلق فرص عمل
إن دلالة تكرار رقم «مليون منصب شغل» بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال تتجاوز الجانب الاقتصادي؛ فهي تكشف تحول خلق فرص العمل إلى ميدان مركزي للتنافس السياسي والرمزي في انتخابات 2026.فالتجمع أعلن استهداف خلق مليون منصب خلال 2026–2031، والبام جعل خلق مليون منصب أحد التزاماته الانتخابية، بما يؤكد أن الرقم أصبح جزءاً من لغة الحملة نفسها. فالأحزاب الثلاثة لا تقول فقط: سنحارب البطالة، بل تقول عملياً: سنخلق مليون منصب. وهذا يحول الناخب من متلق لشعار عام إلى شخص يستطيع بعد خمس سنوات أن يسأل: هل تحقق المليون أم لا؟ أي أن الرقم يؤدي وظيفة تعاقدية أكثر من كونه مجرد معطى اقتصادي. كما أنه حين تتقارب أحزاب ذات مواقع وتنظيمات مختلفة حول الرقم نفسه، فهذا يعني أن التنافس ليس أساساً حول تعريف المشكلة، وإنما حول من يملك القدرة الأكبر على حلها.وهنا نلاحظ انتقالاً من:«نحن نملك تصوراً مختلفاً للمغرب»إلى:«نحن أيضاً نستطيع تحقيق النتيجة نفسها، ولكن بصورة أفضل».وهذا يقرب البرامج من بعضها ويجعل القدرة على الإنجاز موضوعاً للمزايدة الانتخابية. كما أن لرقم .«مليون» حمولة نفسية وسياسية ، فالمليون ليس مجرد وحدة حسابية. إنه رقم سهل الحفظ والتداول في التجمعات والوسائط الرقمية، ولذلك يتحول إلى شعار مكثف للبرنامج كله. ولعل رقم «مليون» الذي توظفه الأحزاب في برامج انتخابات 2026 يحمل شحنة نفسية وسياسية تشبه، من حيث آلية التأثير، شحنة «مليون هكتار» في خطاب الحسن الثاني، لكن مع اختلاف جوهري في طبيعة الفاعل والموضوع. فالملك الحسن الثاني جعل من «مليون هكتار» رقماً-رمزاً أكثر من كونه مجرد رقم تقني: ففي 1967 التزم برفع المساحات المسقية إلى مليون هكتار في أفق 2000، وربط ذلك بسياسة السدود والتنمية والسيادة الغذائية. بل إن الخطاب الرسمي اللاحق وصف الأمر بأنه «ملحمة سقي مليون هكتار»، أي أن الرقم تحول إلى جزء من ذاكرة الإنجاز الملكي. ولعل ما يجعل رقم «المليون» قوياً نفسياً، هو اختزانه لأربع دلالات مشتركة:
لكن هناك فرق أساسي ، ففي عهد الملك الحسن الثاني كان «المليون» رقماً ملكياً-دولتوياً ، حيث أن الدولة هي صاحبة المشروع، والرقم مرتبط بسياسة استراتيجية طويلة المدى في الماء والفلاحة. أما في انتخابات 2026 فإن الأحزاب تستعير منطق الرقم الكبير لتنافس بعضها بعضاً. وهذا يقود إلى ملاحظة سياسية مهمة هي أن الأحزاب لا تتنافس فقط على مضمون السياسة، وإنما تتنافس على «حجم الوعود الانتخابية».ولهذا نجد التجمع والأصالة والمعاصرة والاستقلال يلتقون حول مليون فرصة عمل أو أرقام قريبة منه. فالرقم هنا يصبح أشبه بـ وحدة قياس للتنافس الانتخابي.بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك: فرقم «مليون» في انتخابات 2026 قد يكون نوعاً من العلمنة الانتخابية للغة المشاريع الكبرى التي كانت الدولة والملك يحتكران إنتاجها سابقاً. فالملك كان يقول: مليون هكتار؛ والأحزاب اليوم تقول: مليون فرصة عمل. وبالتالي انتقلنا من رقم يرمز إلى مشروع الدولة إلى رقم يرمز إلى وعد الحزب بالانجاز. والفارق الدقيق أن «مليون هكتار» كان تحدياً تنموياً موجهاً إلى المستقبل، بينما «مليون منصب شغل» هو أيضاً وعد انتخابي موجه إلى الناخب مباشرة؛ ولذلك فإن شحنته النفسية أقرب إلى: «إذا منحتموني السلطة، سأغير وضعكم الاقتصادي بهذا الحجم». ومن هنا يمكن اعتبار «المليون» في انتخابات 2026 ليس مجرد رقم اقتصادي، بل «رقم-شعار» و«رقم-علامة» انتخابية، تماماً كما تحول «مليون هكتار» تاريخياً إلى علامة على مشروع تنموي ملكي كبير.وهذا يطرح سؤالاً مهماً جداً: هل أصبحت الأحزاب في 2026 تستعمل الأرقام لمحاكاة لغة الدولة والملك في إنتاج «الإنجاز» قبل أن تصل أصلاً إلى السلطة؟ فالناخب لا يحتاج إلى تذكر عشرات صفحات البرنامج؛ إذ يمكن أن يتذكر فقط :
التجمع = مليون وظيفة
البام = مليون وظيفة
الاستقلال = مليون وظيفة
وهنا تصبح الأرقام نفسها جزءاً من العلامة الانتخابية للحزب وآلية لمخاطبة الشباب على الخصوص. فالتشغيل هو المجال الذي تتقاطع فيه عدة انتظارات: من طرف عموم الشباب، كالحصول على دخل قار، لتحقيق الاستقلال الاقتصادي و ضمان الكرامة. لذلك فإن إعلان «مليون منصب» هو في العمق رسالة سياسية إلى الشباب: نحن نعرف أن المشكلة الأساسية ليست فقط الخدمات العمومية، وإنما الانتقال من التعليم إلى العمل ومن التكوين إلى الاستقرار الاقتصادي. ومن هذه الزاوية، يصبح الرقم محاولة لاستعادة الثقة الانتخابية لدى فئة تشكل أحد أصعب التحديات السياسية أمام الأحزاب.
2- إضفاء طابع واقعي على البرامج الانتخابية
إن استخدام الرقم في برنامج انتخابي عادة ما يعطي الانطباع بأن البرنامج ليس مجرد شعارات. فبدل أن يقول الحزب: سنحسن التعليم، يقول مثلًا: بناء عدد محدد من المؤسسات، أو خلق عدد محدد من مناصب الشغل.وهكذا يتحول الوعد السياسي إلى هدف يمكن نظريا محاسبة الحزب عليه. كما أن الأرقام تمنح الخطاب الحزبي طابعًا تقنيا وتدبيريا. فالحزب يريد أن يظهر باعتباره يمتلك معطيات دقيقة؛ و تصورًا ماليًا؛ وأهدافًا محددة؛ وقدرة على التخطيط والتنفيذ . لذا فالرقم قد يعطي الوعد السياسي مظهرًا من الواقعية حتى قبل إثبات قابليته للتحقق. فعبارة «سنحسن الصحة» عبارةعامة وفضفاضة، بينما «إحداث 1000 مركز صحي» تبدو أكثر واقعية، حتى لو لم يناقش البرنامج كلفة المشروع أو مصادر تمويله. وهذا مهم خصوصًا عندما تحاول الأحزاب الانتقال من لغة المعارضة والاحتجاج إلى لغة الحكامة وتدبير الدولة. فعندما تقدم الأحزاب أرقامًا، يبدأ نوع من المزايدة الانتخابية الرقمية: فحزب يعد بـ100 ألف فرصة عمل، وآخر بـ200 ألف، وثالث بنسبة نمو أعلى. فيصبح الرقم نفسه أداة لإظهار أن الحزب أكثر طموحًا من منافسيه. وهذا يخلق منافسة بين الأحزاب على «الواقعية». وهكذا فالرقم يمكن أن يؤدي وظيفتين متناقضتين: الحزب يستعمله لإثبات أنه واقعي وقابل للقياس. والمنافس يستطيع استعماله للسؤال: ما مصادر تمويل المليون؟ وما القطاعات التي ستخلقها؟ وهل هي مناصب صافية أم إجمالي الوظائف؟ وهنا تنتقل المعركة من المزايدة في حجم الوعد إلى المزايدة في قابلية تحقيق الوعد. لكن الأهم سياسياً هو أنه يمكن قراءة ظاهرة «المليون» باعتبارها دليلاً على أن البرامج الانتخابية المغربية للاحزاب المتنافسة في 2026 أصبحت أكثر تقنية وأقل أيديولوجية. فبدلاً من التنافس الحاد حول نماذج اقتصادية متباينة، نجد الأحزاب الكبرى تتنافس على أهداف كمية متقاربة: عدد مناصب الشغل، نسب النمو، عدد المستفيدين، حجم الاستثمار، عدد المؤسسات والخدمات…وبالتالي ـ*فمليون منصب شغل» ليس فقط وعداً اقتصادياً؛ إنه وحدة من وحدات التنافس الانتخابي الجديد. وهذا يفسر أيضاً لماذا يمكن أن تكون البرامج متشابهة رغم اختلاف الأحزاب: حين تكون الدولة قد حددت مسبقاً جزءاً كبيراً من الأولويات الكبرى ــ التشغيل، الاستثمار، الحماية الاجتماعية، الصحة والتعليم ــ تصبح مساحة التمايز الحزبي أضيق، فينتقل التنافس إلى سؤال: «كم سنحقق؟» بدلاً من «ماذا نريد؟».وهنا يمكن أن نصل إلى فكرة أعمق: الأرقام قد تكون عوّضت جزئياً الأيديولوجيا في الخطاب الانتخابي؛ فالرقم أصبح هو الوسيلة الجديدة لإنتاج الفارق بين الأحزاب، حتى عندما تكون الأهداف التي تقترحها متشابهة. فتراجع الجاذبية التقليدية للخطابات الإيديولوجية يجعل الحزب يميل إلى القول للناخب: ماذا سنحقق؟ وكم سنحقق؟ وفي أي مدة؟وهذا يتناسب مع تحول جزء من الخطاب الانتخابي المغربي نحو قضايا ملموسة مثل القدرة الشرائية، التشغيل، الصحة، التعليم والسكن. كما أن اللجوء إلى الأرقام في البرامج الانتخابية له دور في التأثير في الإعلام والفضاء الرقمي. فالرقم شديد القابلية للاختزال والتداول ، حيث يمكن أن يتحول بسهولة إلى: «الحزب X يتعهد بـ…» وهذا يجعله مناسبًا للصحافة ومواقع التواصل والملصقات والفيديوهات القصيرة. لذلك فالأرقام أصبحت أيضًا أداة لصناعة الرسالة الانتخابية وليس فقط أداة للتخطيط. ففي ظل العزوف والشك في جدوى الانتخابات، تحتاج الأحزاب إلى تقديم وعود يمكن للناخب تصورها ومقارنتها. فالرقم يساعد على بناء عقد انتخابي ظاهري يتمثل في الحزب يعد برقم، والناخب يصوت على أساسه، ثم يمكن محاسبته لاحقًا.
ثانيا : التوظيف الحزبي للأرقام كآلية للتنافس الانتخابي
يبدو أن الأحزاب المتنافسة في تشريعيات 23 شتنبر 2026 قد حولت الأرقام من مجرد وسيلة لشرح البرنامج إلى آلية من آليات التنافس الانتخابي نفسها. وهذا تحول مهم مقارنة بالبرامج التي كانت تكتفي في السابق بعبارات عامة من قبيل «تقليص البطالة» أو «تحسين القدرة الشرائية». ولعل من أبرز مظاهر هذا التنافس على أرقام كبرى قابلة للمقارنة هو أن حزب الأصالة والمعاصرة يَعِد بمليون منصب شغل صاف خلال الولاية التشريعية المقبلة و حزب الاستقلال يطرحان بدورهما هذا “الرقم السحري” نفسه تقريباً، وهو ما يجعل هذا الرقم نفسه موضوعاً للمنافسة السياسية.
- برنامج حزب الأصالة والمعاصرة واستخدام الرقم باعتباره «عقدًا انتخابيًا»
يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة هو من أبرز الأمثلة على تحويل البرنامج إلى التزامات رقمية دقيقة. فالبرنامج الانتخابي لهذا الحزب يقدم 20 التزامًا بكلفة إجمالية تبلغ 350 مليار درهم خلال خمس سنوات؛ وخلق مليون منصب شغل صافٍ؛ مع خفض البطالة إلى 7% سنة 2031. كما تم تقسيم الوظائف المستهدفة حسب القطاعات وفق الشكل التالي: 360 ألفًا في الخدمات، 270 ألفًا في اقتصاد المعرفة، 250 ألفًا في الصناعة، وغيرها. وهنا يوظف الحزب هذا الرقم ليس كمجرد معلومة داخل البرنامج، بل أصبح جزءًا من هوية البرنامج وطريقة تقديمه للناخب من خلال تحويل البرنامج إلى التزامات قابلة للقياس. لذلك فالرسالة السياسية هي تقريبًا: “أننا نحن لا نقدم مجرد أفكار؛ بل نقدم برنامجًا له كلفة، وأهداف، ومصادر تمويل”.وهذا يعطي الرقم وظيفة بناء صورة الحزب كحزب دولة وحزب تدبير. واللافت أن البرنامج لا يكتفي بذكر النفقات، بل يحاول أيضًا الإجابة عن سؤال «من أين ستأتي الأموال؟»، بما في ذلك استرجاع متأخرات ضريبية ومساهمات الجهات. ولعل استقطاب قيادة الحزب فوزي لقجع برصيده الاكاديمي وتجربته الإدارية والحكومية في القطاع المالي والتمويلي بالإضافة إلى تدبيره للقطاع الكروي يمكن أن يُقرأ، ضمن منطق حملة 2026، باعتباره محاولة لشخصنة البرنامج الانتخابي والأرقام التي يتضمنها، أي تحويل الأهداف الرقمية من وعود مكتوبة في وثيقة حزبية إلى وعود مرتبطة بشخصية يُفترض أنها تملك القدرة على التنفيذ. فالرقم يحتاج إلى حامل سياسي. ف«مليون فرصة عمل» رقم قوي إعلامياً، لكنه مجرد وعد إذا لم يرتبط بشخص أو قيادة تمنحه المصداقية. وبالتالي فحضور شخصية مثل لقجع يمكن أن يجعل الرسالة السياسية كالتالي: هذا ليس مجرد رقم انتخابي، بل مشروع يمكن تدبيره وتنفيذه. كما أن لقجع يمثل «رأسمال الإنجاز» أكثر من كونه مجرد قيادي حزبي. صورته العامة مرتبطة بالتدبير المالي والرياضي وبمشاريع كبرى، وبالتالي فإن استقطابه يمكن أن يمنح أرقام البرنامج، ولاسيما في التشغيل والاستثمار، وجهاً تنفيذياً وتقنوقراطياً. وهذا مهم بالنسبة إلى حزب الاصالة والمعاصرة تحديداً، لأن الحزب ظل يعاني نسبياً من سؤال القيادة: هل تكفي القيادة الجماعية والرمزية الحزبية لإنتاج صورة قيادة سياسية قادرة على حمل برنامج ضخم؟ فدخول شخصية ذات حضور وطني قوي يمكن أن يساعد في الانتقال من «برنامج الحزب» إلى «مشروع قيادة».لذا فإن محاولة الحزب استقطاب لقجع يمكن أن تُفهم باعتبارها سعياً إلى إضفاء وجه شخصي وتنفيذي على برنامج انتخابي قائم على الأرقام، وتحويل «مليون فرصة عمل» من رقم في وثيقة حزبية إلى وعد سياسي له حامل بشري قادر في المخيال الانتخابي، على ضمان إنجازه. وهذا ما يحول القيادة الحزبية نفسها إلى آلية لتسويق هذه الأرقام: فالمنافسة لم تعد فقط من لديه البرنامج الأفضل، بل أيضاً من لديه الشخص الأكثر قدرة على جعل الرقم قابلاً للتصديق؟
2. التجمع الوطني للأحرار وتكريس القدرة الحكومية
استخدم حزب التجمع للأحرار بدوره أرقامًا كثيرة، خصوصًا في التشغيل والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية. ومن أبرز الأرقام المعلنة: مليون منصب شغل، مع توزيعها على قطاعات مختلفة: 300 ألف في السياحة والخدمات والثقافة والترفيه، و250 ألفًا في الرقمنة، و150 ألفًا في الفلاحة، إضافة إلى الصناعة والأوراش الكبرى. لكن الفرق مع حزب الاصالة هو أن لغة الأرقام لدى هذا الحزب المتصدر للحكومة مرتبطة بقوة بـحصيلة الحكومة وخطاب الدولة الاجتماعية، بينما حزب الاصالة يحاول تقديمها في صورة برنامج تعاقدي مرقم ومفصل. وبالتالي ، فإن توظيف التجمع الوطني للأحرار للأرقام في برنامجه الانتخابي يؤدي وظيفة سياسية تتجاوز مجرد تحديد أهداف كمية. وهكذا فالأرقام، في حالة حزب فما زال يقود الحكومة، تؤدي ثلاث وظائف مترابطة:
– تثبيت الحصيلة الحكومية: فعندما يقدم التجمع أهدافاً رقمية جديدة، فإنه يستطيع أن يربطها بما يقول إنه تحقق خلال الولاية السابقة. وبالتالي يصبح الرقم الجديد امتداداً لمسار بدأ بالفعل، وليس وعداً انتخابياً من الصفر.
– إنتاج الاستمرارية: حيث أن الرسالة الضمنية هي: «لقد بدأنا، وحققنا، ونريد مواصلة الإنجاز». وهنا يتحول البرنامج من برنامج انتخابي بالمعنى التقليدي إلى ما يشبه برنامج ولاية ثانية.
– تكريس الأهلية: فالحزب يحاول الانتقال من سؤال ماذا سنفعل؟ إلى سؤال لماذا ينبغي أن نُمنح فرصة أخرى؟. والجواب الذي تقدمه الأرقام هو: لأن لدينا حصيلة، وأهدافاً قابلة للقياس، وتجربة حكومية تسمح لنا بالاستمرار.وهذا يميز التجمع عن حزب معارض؛ فـمليون فرصة عمل مثلاً، عندما يصدر عن حزب يوجد في الحكومة، لا يحمل الدلالة نفسها التي يحملها عندما يصدر عن حزب لم يسبق له تدبير الحكومة. الأول يستطيع أن يقدمه باعتباره امتداداً لإنجاز سابق، بينما الثاني يقدمه أساساً باعتباره وعداً مستقبلياً. وبالتالين فتوظيف التجمع الوطني للأحرار للأرقام في برنامجه الانتخابي لا يقتصر على ضبط الوعود الانتخابية كمياً، وإنما يشكل آلية لإعادة تحويل الحصيلة الحكومية إلى شرعية انتخابية؛ إذ تُستخدم الأرقام الجديدة لإثبات قابلية الإنجاز، وربط الولاية الحكومية المنتهية بولاية ثانية محتملة، بما يجعل البرنامج الانتخابي أقرب إلى «برنامج استمرارية» منه إلى مجرد برنامج للتغيير. فالتجمع يحاول أن يشخْصِن الأرقام عبر الحصيلة والتجربة الحكومية، بينما البام يحتاج إلى تجسيد الأرقام عبر شخصية قادرة على منحها المصداقية التنفيذية. أي أن المنافسة بينهما قد تُقرأ باعتبارها منافسة بين «رقم الحصيلة» و«رقم الشخصية»: الأول يقول لقد أنجزنا، والثاني يقول لدينا من يستطيع الإنجاز.
3. الاستقلال والوعد بالانجاز والتغيير
قدم حزب الاستقلال برنامجه للفترة 2026–2031 تحت شعار «وطني مستقبلي»، وتضمن التزامات كمية في عدد من المجالات. لكن في طريقة عرضه الإعلامية، لا تبدو الرقمنة الشاملة للبرنامج بالأرقام بارزة بالدرجة نفسها التي نجدها لدى حزبي الاصالة والتجمع .فتوظيف حزب الاستقلال للأرقام في برنامجه الانتخابي يمكن قراءته باعتباره محاولة لإعطاء وعوده طابعاً ملموساً وقابلاً للقياس، لكنه يحمل دلالة مختلفة قليلاً عن التجمع. فإذا كان التجمع يوظف الأرقام أساساً لتأكيد الحصيلة والاستمرارية، فإن الاستقلال، بوصفه حزباً مشاركاً في الحكومة وذاكرةً سياسيةً أقدم، يستطيع توظيفها لبناء وعد بالإنجاز مقروناً بالتغيير الاجتماعي.وهكذا يكتسي هذا التوظيف عدة دلالات من أهمها:
*تحويل البرنامج من مبادئ عامة إلى التزامات كمية .فالرقم يجعل الناخب قادراً على تذكر الوعد ومساءلة الحزب عنه.
*المنافسة على حجم الإنجاز: فعندما يدخل حزب الاستقلال في سباق «المليون» في التشغيل، فهو لا ينافس فقط حول قضية البطالة، بل حول من يَعِد بالإنجاز الأكبر والأوضح.
*إعادة تقديم الحزب بصورة عملية: فالأرقام تساعد حزب الاستقلال على تجاوز صورة الحزب التاريخية/الإيديولوجية نحو صورة حزب يقدم أهدافاً محددة في التشغيل والدخل والخدمات.
*مخاطبة الانتظارات الاجتماعية بلغة بسيطة: «مليون فرصة عمل» أكثر قابلية للتداول شعبياً من أهداف تقنية مثل رفع معدل التشغيل بعدة نقاط مئوية.
4. استخدام حزب العدالة والتنمية الرقم كأداة للمحاسبة السياسية
أما العدالة والتنمية فيستخدم الرقم بطريقة سياسية مختلفة.فالرقم لديه لا يحتل بالضرورة موقع «فاتورة البرنامج» كما هو واضح عند حزب الاصالة والمعاصرة، ولا يأتي أساسًا لتوسيع حصيلة حكومية كما عند حزب التجمع؛ بل يستخدم بكثافة في تشخيص الوضع ومقارنة الأداء ومهاجمة الحكومة.وهذا يتلاءم مع موقع الحزب الحالي كمعارضة تريد إقناع الناخب بأن المشكلة ليست في غياب الإمكانات، وإنما في سوء الاختيارات والتدبير.لذلك يصبح الرقم عند حزب العدالة والتنمية أقرب إلى: انظروا إلى المؤشر: البطالة، الأسعار، الدين، الخدمات… ثم قارنوا بين ما كان وما أصبح. أي أن الرقم هنا يؤدي وظيفة المحاسبة الانتخابية أكثر من وظيفة «الهندسة المالية للبرنامج». فحزب العدالة والتنمية يستعمل الأرقام بكثافة أيضًا، لكن جزءًا مهمًا منها يأتي في تشخيص حصيلة الحكومة ومقارنتها بالولاية السابقة. فنائب الأمين العام للحزب إدريس الأزمي، استند عند تقديم البرنامج مثلًا إلى رقم 13% بطالة؛واحد من كل ثلاثة شباب بين 15 و29 سنة خارج الشغل والتعليم والتكوين؛ أكثر من 8 ملايين مغربي خارج التغطية الصحية؛315 مليار درهم كدين للخزينة، مقابل 455 مليارًا في الولايتين الحكوميتين السابقتين.كما أن البرنامج يتضمن 200 إجراء في مجال الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية.لذلك يمكن القول أن حزب العدالة والتنمية يوظف الرقم أكثر كسلاح للمحاسبة والنقد، في حين يوظفه حزب الاصالة والتجمع بدرجة أكبر كأداة لتقديم وعود قابلة للقياس.
وعموما ، فيمكن القول إن «تسييس الرقم» انتقل من كونه تقنية في البرامج الاقتصادية إلى كونه لغة انتخابية مشتركة. فحتى الأحزاب الصغيرة أصبحت مضطرة إلى تقديم بعض الوعود القابلة للعد ، لأن البرنامج الذي لا يحتوي على أرقام يبدو أقل «ملموسية» في بيئة انتخابية أصبحت فيها المقارنة بين الأحزاب تتم عبر أرقام مختصرة وسهلة التداول في الإعلام والشبكات الاجتماعية.والأكثر دلالة أن جبهة القوى الديمقراطية، رغم كونها أصغر انتخابياً، دخلت فعلياً في «سباق المليون»؛ وهذا يعني أن الرقم لم يعد يعكس فقط الحجم السياسي للحزب، بل أصبح أداة لمحاولة رفع وزن الحزب ورمزيته في المنافسة الانتخابية.وبالتالي أصبحت الأرقام في البرامج الانتخابية لغة مشتركة بين الأحزاب، لكن ليس بنفس المعنى السياسي. فالرقم عند حزب الاصالة والمعاصرة و حزب الاستقلال هو وعد، وعند التجمع هو حصيلة واستمرارية، وعند حزب العدالة والتنمية هو دليل اتهام ومساءلة. لذلك يمكن صياغة الظاهرة في 2026 باعتبارها انتقالاً من «سياسة الشعارات» إلى «سياسة المؤشرات»، لكن داخل مجال سياسي تظل فيه الأهداف العامة متقاربة بين الأحزاب. والأهم أن هذا يجعل البرنامج الانتخابي أقرب إلى وثيقة تعاقدية قابلة للمحاسبة: عندما يقول الحزب «سنخلق مليون منصب» أو «سنجهز 1600 مركز صحي»، يصبح بالإمكان بعد خمس سنوات سؤاله: كم أنجزتم من الرقم الذي التزمتم به؟وهذا يقود إلى سؤال أعمق: هل كثرة الأرقام في برامج 2026 تعكس فعلاً تحولاً نحو المحاسبة الانتخابية، أم أنها في جزء منها مجرد تقنية تسويقية لإعطاء الوعود الحزبية مظهراً أكثر عملية وواقعية؟ ذلك أصبحت الأرقام تؤدي وظيفة تسويقية وسياسية: الرقم الكبير يعطي الانطباع بأن الحزب أكثر قدرة على الإنجاز من منافسيه، كما يسمح للناخب ووسائل الإعلام بمقارنة الوعود بصورة مباشرة. وهذا يجعل «الرقم الانتخابي» وحدة جديدة في الخطاب السياسي المغربي: فهو وعد، وأداة للمقارنة، وأداة للمساءلة لاحقاً، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى نوع من المزايدة الانتخابية الرقمية إذا لم تُشرح فرضياته ومصادر تمويله وآليات تحقيقه.
لكن التنافس الحزبي حول الأرقام لا يعني بالضرورة تنافساً حقيقياً بين نماذج اقتصادية وسياسية مختلفة. فحين يصل حزبان مختلفان إلى الرقم نفسه، مثل مليون منصب شغل، يصبح السؤال الأهم: كيف سيخلق كل حزب هذه المناصب؟ وفي أي قطاعات؟ وبأي تمويل؟ وليس الرقم في حد ذاته.وهذا يفتح زاوية مهمة جدًا في تحليل انتخابات 2026: هل أصبحت الأحزاب تتنافس على «من يملك الرقم الأكبر» بدل التنافس على الاختيارات السياسية والاجتماعية نفسها؟ فلجوء الأحزاب المتنافسة إلى كثرة الأرقام قد تخفي السياسة بدل أن توضحها. فالبرنامج قد يتحول إلى مجموعة من: النسب و الملايين و عدد المشاريع و عدد المناصب و آجال التنفيذ، لكن من دون الإجابة الكافية عن الأسئلة السياسية الأهم: لماذا هذه الأولويات؟ من سيستفيد منها؟ كيف ستوزع الموارد؟ ومن سيتحمل كلفة الاختيارات؟ لذلك يمكن القول أن الأرقام أصبحت تؤدي وظيفتين متناقضتين: فهي من جهة تجعل البرنامج أكثر قابلية للقياس، ومن جهة أخرى قد تمنحه مصداقية شكلية إذا لم تكن مرتبطة بتفسير سياسي ومالي واضح. وبالتالي ، فالأهم في انتخابات 23 شتنبر 2026 هو أن الأرقام قد تصبح وسيلة للأحزاب لإدارة توقعات الناخبين: فبدل تقديم تصور سياسي شامل للمجتمع، يجري تحويل الانتظارات الشعبية إلى مؤشرات كمية قابلة للتسويق الانتخابي.





