التشهير يتصدر بـ481 حالة.. دراسة ترصد أشكال العنف الرقمي ضد النساء خلال انتخابات 2026

إعلام تيفي/ بلاغ
تصدر التشهير قائمة أشكال العنف السياسي الرقمي التي استهدفت النساء المرشحات خلال انتخابات مجلس النواب لسنة 2026، بعدما سجلت الدراسة الرصدية التحليلية التي أنجزها المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي بشراكة مع جمعية التحدي للمساواة والمواطنة 481 حالة من أصل 628 استمارة موثقة، بنسبة بلغت 76.6 في المائة، في وقت برزت فيه أشكال أخرى من الاستهداف، شملت التحقير على أساس الجنس والتضليل والمساس بالحياة الخاصة والتهديد.
وأظهرت الدراسة، المعنونة بـ”العنف السياسي الرقمي ضد النساء برسم انتخابات مجلس النواب 2026: رصد وتحليل لأنماط الاستهداف وحدود الحماية القانونية”، أن خطاب الكراهية أو التحقير بسبب الجنس حل في المرتبة الثانية، بـ436 حالة، ما يمثل 69.4 في المائة من مجموع الحالات الموثقة، تليه ممارسات نشر معلومات غير مؤكدة بـ405 حالات، بنسبة 64.5 في المائة، ثم الأخبار الزائفة والإشاعات بـ376 حالة، أي ما يعادل 59.9 في المائة.
وسجلت الدراسة، التي رصدت الممارسات الرقمية الموجهة ضد النساء وكيلات اللوائح الانتخابية، 271 حالة للمساس بالحياة الخاصة، بنسبة 43.2 في المائة، مقابل 64 حالة مرتبطة بالتهديد أو الترهيب، بنسبة 10.2 في المائة. كما وثق فريق الرصد 25 حالة مرتبطة بصور أو مقاطع فيديو مفبركة، إلى جانب 23 حالة تضمنت مؤشرات على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأبرزت النتائج أن أشكال الاستهداف الرقمي لا تظهر بالضرورة بصورة منفصلة، بل تتداخل داخل المحتوى الواحد، بما يجعل بعض الممارسات تجمع بين التشهير والتحقير على أساس الجنس أو المساس بالحياة الخاصة والتضليل.
وفي هذا السياق، رصدت الدراسة اجتماع التشهير والتحقير بسبب الجنس في 330 حالة، بنسبة 52.5 في المائة من مجموع قاعدة البيانات، فيما اجتمع التشهير والمساس بالحياة الخاصة في 247 حالة، والمساس بالحياة الخاصة والتحقير بسبب الجنس في 205 حالات. كما سجلت تداخل التهديد أو الترهيب مع التحقير القائم على الجنس في 57 حالة.
واعتبرت الدراسة أن هذه المعطيات تكشف عن طبيعة مركبة للعنف السياسي الرقمي الموجه ضد النساء، إذ لا يقتصر الاستهداف على المساس بسمعة المرشحات، بل يمتد إلى التضليل بشأنهن، وانتهاك خصوصيتهن، واستخدام خطاب ينتقص من أهليتهن للمشاركة السياسية على أساس النوع الاجتماعي، فضلا عن ممارسات قد تصل إلى التهديد والترهيب.
واعتمدت عملية الرصد على فترة امتدت من 10 إلى 23 شتنبر 2026، تزامنا مع الحملة الانتخابية الخاصة بانتخابات مجلس النواب، وشملت عينة من 42 امرأة وكيلة للائحة انتخابية محلية، موزعات على عدد من الجهات والدوائر الانتخابية، ومنتميات إلى أحزاب سياسية ممثلة في مجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021-2026.
وأنجزت الدراسة بمساهمة 21 راصدة وراصدا منتدبين عن جمعيات من المجتمع المدني، وفق منهجية واستمارة موحدتين لتتبع الممارسات الرقمية وتوثيقها، قبل إخضاع المعطيات المجمعة للتحليل الكمي والكيفي والقانوني.
ويأتي هذا العمل في سياق توسع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في المنافسة الانتخابية، وما يرافق ذلك من تحديات مرتبطة بحماية حقوق النساء وضمان مشاركتهن السياسية في فضاء رقمي آمن.
وعلى المستوى القانوني، سجلت الدراسة تطورا في الإطار المنظم للانتخابات، من خلال التعديلات التي طالت القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب في يناير 2026، والتي أقرت صراحة بإمكانية ارتكاب أفعال انتخابية مجرمة عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية والتطبيقات المعتمدة على الإنترنت والأنظمة المعلوماتية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
غير أن الدراسة نبهت إلى أن الاعتراف بالوسائل الرقمية ضمن الإطار القانوني لا يعني بالضرورة توفير حماية مكتملة من جميع أشكال العنف السياسي الرقمي، موضحة أن الانتقال من رصد محتوى مثير للقلق إلى تكييفه باعتباره فعلا مجرما يظل رهينا بإثبات عناصر قانونية متعددة، من بينها كذب المحتوى وهوية الفاعل والقصد الجنائي والصلة بالعملية الانتخابية.
كما وقفت الدراسة عند الصعوبات التقنية المرتبطة بإثبات أصالة الصور ومقاطع الفيديو والمحتويات التي يشتبه في إنتاجها أو تعديلها باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب محدودية استيعاب بعض الممارسات القائمة على النوع الاجتماعي، خصوصا عندما تستهدف المرأة بسبب جنسها أو تشكك في أهليتها السياسية دون أن تقترن بعناصر تدخل ضمن الأوصاف الجنائية المحددة قانونا.
وحددت الدراسة ثلاث فجوات رئيسية، تتعلق بالتفاوت بين المفهوم الاجتماعي والحقوقي للعنف والوصف الجنائي المحدد قانونا، وبين وجود القاعدة القانونية وإمكانية إثبات عناصرها داخل البيئة الرقمية، فضلا عن الفجوة بين الحماية العامة للعملية الانتخابية والخصوصية التي تميز العنف الموجه ضد النساء بسبب حضورهن السياسي.
وفي ضوء هذه الخلاصات، دعت الدراسة إلى فتح نقاش تشريعي بشأن وضع تعريف أكثر وضوحا للعنف السياسي الرقمي، والنظر في سبل إدماج البعد القائم على الجنس ضمن الحماية الانتخابية، سواء عبر إقرار وصف قانوني خاص أو اعتباره ظرفا مشددا متى كان الجنس دافعا أساسيا للفعل، إلى جانب مراجعة مدى كفاية المقتضيات المتعلقة بالتهديد والترهيب الرقمي وتدقيق العلاقة بين التضليل الانتخابي وإثبات القصد الخاص بالتأثير في التصويت.
كما أوصت ببحث إمكانية إحداث آلية وطنية واضحة وسريعة لتلقي الإشعارات والشكايات المتعلقة بالمحتويات الرقمية خلال الفترات الانتخابية، وتعزيز التعاون المؤسساتي مع المنصات الرقمية بما يضمن التوازن بين حماية حرية التعبير وحفظ الأدلة والتعامل مع المحتويات التي قد تندرج ضمن الجرائم الانتخابية.
ووجهت الدراسة توصيات إلى الأحزاب السياسية لتعزيز الوقاية والحماية داخل الممارسة الانتخابية، من خلال إدراج السلامة الرقمية ضمن برامج تكوين المرشحات والمرشحين، ومواكبة المتضررات في توثيق حالات الاستهداف والتبليغ عنها، وتطوير قدرات فرق الحملات الانتخابية على التمييز بين النقد السياسي المشروع والممارسات التي قد تمس بالحقوق أو بحرية المشاركة السياسية.
وخلص المرصد الوطني للحماية من العنف الرقمي وجمعية التحدي للمساواة والمواطنة إلى أن ضمان المشاركة السياسية للنساء يقتضي توفير شروط ممارسة آمنة تحمي حرية التعبير والتنافس الديمقراطي، وتواجه في الوقت نفسه الممارسات الرقمية التي قد تتحول إلى أدوات للتشهير أو الترهيب أو الإقصاء القائم على النوع الاجتماعي، مؤكدين أن تحديث التشريع، رغم أهميته، يظل بحاجة إلى مواكبة مؤسساتية وتقنية تيسر الإثبات وتضمن الاستجابة الفعالة للأفعال المخالفة للقانون.





