البرلمان الجديد أمام أجندة تشريعية مثقلة بالقوانين المؤجلة

أميمة حدري

يواجه البرلمان الجديد، مع انطلاق الولاية التشريعية الجديدة، مجموعة من الأوراش القانونية التي تنتظر استكمال مسارها، في مقدمتها مراجعة القانون الجنائي ومدونة الأسرة، إلى جانب نصوص تهم المهن القضائية وقانون الالتزامات والعقود وبعض المقتضيات المرتبطة بمدونة التجارة.

وتضع هذه الملفات المؤسسة التشريعية أمام تحدي استئناف النقاش بشأن إصلاحات طال انتظارها، في سياق سياسي جديد ستتحدد خلاله أولويات العمل التشريعي وفق توجهات الحكومة المقبلة والتوازنات داخل مجلسي البرلمان.

ويأتي افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى، يوم الجمعة 9 أكتوبر الجاري، من طرف الملك محمد السادس، عقب الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي، ليؤشر على بداية مرحلة جديدة من العمل البرلماني، تتزامن مع استمرار عدد من المشاريع القانونية في مراحل مختلفة من الإعداد والمراجعة.

ويتصدر مشروع تعديل القانون الجنائي قائمة الملفات المنتظرة، بعدما استغرق إعداده ومراجعته وقتا طويلا، وسط نقاش بشأن عدد من مقتضياته، خصوصا المرتبطة بالجرائم الإلكترونية والتشهير وحماية الحياة الخاصة.

وكان وزير العدل في الحكومة المنتهية ولايتها، عبد اللطيف وهبي، قد أفاد بأن المشروع بلغ مرحلة متقدمة من الإعداد، مشيرا إلى أن استكمال مسطرته يقتضي إحالته على الأمانة العامة للحكومة قبل عرضه على البرلمان.

وسبق للحكومة أن سحبت المشروع من المؤسسة التشريعية لإعادة النظر في مضامينه، فيما تحدث وهبي عن إخضاعه لـ 52 قراءة خلال مراحل الإعداد والمراجعة. ويعيد هذا المسار إلى الواجهة أسئلة تتعلق بموعد إحالة النص وصيغته النهائية، فضلا عن طبيعة التعديلات التي ستخضع للنقاش البرلماني.

وتحظى المقتضيات المتعلقة بالفضاء الرقمي بأهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى ما تطرحه من إشكالات بشأن حماية الأفراد من التشهير والاستعمال غير المشروع لصورهم، ومواجهة الجرائم المرتكبة عبر الوسائط الإلكترونية.

وفي المقابل، يرتبط النقاش حول هذه المقتضيات بضرورة تحقيق التوازن بين حماية الحياة الخاصة وصون الكرامة وضمان حرية التعبير، بما يستدعي صياغة قانونية دقيقة تحدد الأفعال المعاقب عليها وتضمن وضوح الضوابط المنظمة لها.

وتأتي مراجعة مدونة الأسرة ضمن أبرز الأوراش التي تنتظر الانتقال إلى المسار التشريعي، بعدما قدمت الهيئة المكلفة بالمراجعة 139 مقترح تعديل شملت الكتب السبعة للمدونة. وكانت الحكومة قد أعلنت، في يناير الماضي، تشكيل لجنة للصياغة تضم قطاعات وزارية والأمانة العامة للحكومة، في خطوة تندرج ضمن استكمال إعداد التعديلات المقترحة.

وتشمل أبرز القضايا المطروحة تحديد سن الزواج في 18 سنة، مع استثناء مؤطر عند بلوغ 17 سنة، وإقرار مبدأ تقاسم النيابة القانونية بين الزوجين، إلى جانب تقليص مدة البت في قضايا الطلاق إلى ستة أشهر.

ومن شأن إحالة المشروع على البرلمان أن تفتح المجال أمام مناقشة هذه المقترحات وتفاصيلها القانونية، في ظل ما يرافق إصلاح مدونة الأسرة من نقاش بشأن حماية حقوق أفراد الأسرة وتحقيق التوازن بين مختلف المسؤوليات والالتزامات.

وعلى مستوى التشريع المدني والتجاري، تنتظر المرحلة المقبلة استكمال عدد من الأوراش المرتبطة بتعديل قانون الالتزامات والعقود، ومراجعة مقتضيات من مدونة التجارة، إلى جانب نصوص أخرى تتعلق بالتوثيق ومشروع إحداث البنك الوطني للبصمات الجينية.

وتختلف الوضعية القانونية لهذه الملفات من مشروع إلى آخر، بين نصوص قطعت مراحل من الإعداد وأخرى تحتاج إلى استكمال مساطرها قبل عرضها على المؤسسة التشريعية.

وفي هذا الإطار، صادق مجلس النواب، في يناير 2026، على مشروع القانون رقم 71.24 المعدل لمدونة التجارة، والمتعلق بالشيك بدون مؤونة، ما يقتضي التمييز بين هذا النص الذي استكمل مرحلة المصادقة داخل المجلس، وباقي المقتضيات التجارية التي قد تظل ضمن الأوراش المنتظرة خلال الولاية الجديدة.

كما تنتظر النصوص المرتبطة بتنظيم عدد من المهن القضائية استكمال مسارها، خصوصا ما يتعلق بمهنة المحاماة ومهنتي العدول والخبراء القضائيين.

ويكتسي هذا الملف أهمية بالنظر إلى ارتباطه بتنظيم الممارسة المهنية وتحديد شروطها وضوابطها، في وقت تشهد فيه العلاقة بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين توترا مهنيا رافقته إضرابات منذ منتصف يونيو الماضي.

وتضع هذه الأوراش الأغلبية والمعارضة أمام مسؤولية تحديد أولويات التشريع، خصوصا أن بعض النصوص المطروحة يرتبط بقضايا خلافية تتباين بشأنها المواقف السياسية والحقوقية.

ومن المرتقب أن يشمل النقاش البرلماني قضايا الأسرة والحريات الفردية وتنظيم الفضاء الرقمي، بما يفرض تدبير الاختلاف بشأنها داخل المؤسسة التشريعية، مع مراعاة الضمانات الدستورية والحقوقية ومتطلبات الأمن القانوني.

ويظل التحدي المطروح أمام البرلمان الجديد مرتبطا بقدرته على استكمال النصوص المؤجلة وفق مسار تشريعي يضمن جودة القوانين ووضوح مقتضياتها، بعيدا عن الاكتفاء بتسريع المصادقة عليها.

كما يرتبط تقدم هذه الملفات بمدى جاهزية مشاريعها للإحالة، وبالأولويات التي ستحددها الحكومة المقبلة، وبطبيعة التوافقات التي ستتمكن الفرق البرلمانية من بنائها بشأن النصوص التي تثير خلافا في مضامينها أو في آثارها المحتملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى