من تأسيس الحماية الاجتماعية إلى تحسين العيش الكريم.. البرنامج الحكومي الجديد في ضوء الالتزامات الحزبية وانتظارات الشغيلة

بقلم: حمزة ابراهيمي الكاتب الجهوي للنقابة الوطنية للصحة العمومية بجهة طنجة تطوان الحسيمة
ليس التصريح الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان، الاثنين 19 أكتوبر 2026، مجرد إعلان عن أولويات ولاية جديدة؛ بل تعبير عن طموح للانتقال من إرساء آليات الحماية الاجتماعية إلى تحسين أثرها في الحياة اليومية للمغاربة. ومن هنا تكتسب مقارنته ببرنامج حكومة عزيز أخنوش لسنة 2021، وبالالتزامات العشرين للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أهميتها السياسية والاجتماعية، خصوصا بالنسبة إلى الموظفين والمأجورين والعمال والطبقات الهشة والمتوسطة.
فقد شهدت الولاية السابقة توسيع التأمين الإجباري عن المرض وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر وبرنامج دعم السكن، وهي إصلاحات أسست لمسارات جديدة في الحماية الاجتماعية. غير أن الاعتراف بهذه المكتسبات لا يحجب حدودها؛ فالتغطية الصحية لا تعني بالضرورة الحصول على العلاج، وارتفاع الاعتمادات لا يكفي لإثبات تحسن الخدمات، كما أن الدعم المالي لا يعوض تلقائيا تراجع القدرة الشرائية. ولذلك تظل الحصيلة مرتبطة بالنتائج الفعلية في المستشفيات والمدارس والأسواق، لا بمجرد جرد البرامج والميزانيات.
وانطلاقا من هذه التحديات، يطرح التصريح الحكومي الجديد مقاربة تجمع بين تحسين المداخيل ومعالجة مسببات الغلاء. فالتعهد برفع الدعم الاجتماعي المباشر تدريجيا إلى ألف درهم عند نهاية الولاية، والتكفل بفواتير كهرباء المسكن الرئيسي التي لا تتجاوز مائة درهم شهريا للأسر المستحقة، يقترن بإصلاح مسالك توزيع المواد الأساسية ومحاربة الاحتكار والوساطة المكلفة. وتكمن أهمية هذا الترابط في أن الرفع من الدعم يفقد جزءا من أثره متى استمرت الأسعار في استنزاف ميزانيات الأسر.
وإذا كان الدعم يستهدف الفئات الأكثر هشاشة، فإن إنصاف الطبقات العاملة والمتوسطة يمر كذلك عبر تحسين الأجور وصيانة الحقوق المهنية والاجتماعية. وهنا يبرز التعهد بإصلاح الضريبة على الدخل لرفع الأجر الصافي، وتوسيع التعويض عن فقدان الشغل، إلى جانب الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى ثلاثة آلاف درهم وتحسين حقوق الأرامل. غير أن هذه الالتزامات تقتضي آجالا واضحة وتمويلا مستداما وحوارا اجتماعيا يضمن حماية الحقوق المكتسبة، وعدم تحميل الأجراء والمتقاعدين كلفة الإصلاح.
ولا ينفصل تحسين الدخل عن تخفيف النفقات التي تتحملها الأسر؛ فالسكن والعلاج وتعليم الأبناء تستنزف جزءا مهما من أجور الموظفين والعمال، بمن فيهم غير المستفيدين من الدعم المباشر. ولذلك يمثل توسيع العرض السكني المخصص للكراء ودعم السكن القروي امتدادا ضروريا للسياسة الاجتماعية، شريطة ضمان كلفة معقولة للسكن وقرب الخدمات وتقليص الفوارق بين المدن والقرى.
وفي مقدمة هذه الخدمات تأتي الصحة العمومية، حيث ينبغي أن يتحول الانتقال المعلن من توسيع التغطية إلى تجويد العلاج إلى توظيف فعلي للأطر، وتحسين ظروف العمل والاستقبال، وتنفيذ الاتفاقات الاجتماعية وصرف المستحقات. كما يقتضي تقييم تجربة المجموعات الصحية الترابية إشراك ممثلي الشغيلة وصيانة الحريات النقابية. وبالمثل، لا يقاس إصلاح المدرسة العمومية بنسبة التمدرس وحدها، بل بجودة التعلمات والإنصاف المجالي ومحاربة الهدر وتوفير ظروف عمل ملائمة للأطر التربوية. فعمومية الخدمات وجودتها ليستا عبئا ماليا فحسب، بل استثمارا في الإنسان وتكافؤ الفرص.
وتجد هذه الأولويات صداها في مرجعية «عشرين التزاما من أجل التنمية العادلة والعيش الكريم» للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، القائمة على دولة ديمقراطية فعالة، واقتصاد منتج، ومجتمع الكرامة وتكافؤ الفرص. ويتجلى التقاطع في العدالة الجبائية والدفاع عن الخدمات العمومية ومحاربة الريع ودعم المقاولات الصغرى والشغل المنتج. ومع ذلك، فقد أبقى التوافق الحكومي اختلافات في بعض السقوف، منها استهداف نمو بخمسة في المائة مقابل طموح اتحادي بستة، ومواكبة ستين ألف مقاولة بدل مائة ألف، مما يجعل تتبع التنفيذ وتفسير الاختيارات جزءا من المسؤولية السياسية.
ويتصل الرهان على التشغيل مباشرة بالعدالة المجالية؛ فلا يكفي الإعلان عن الاستثمارات الكبرى وأوراش 2030 إذا لم تتحول إلى فرص عمل مستقرة وتأهيل مهني ومشاريع منتجة في الجهات الأقل استفادة. كما ينبغي أن ينعكس تعزيز الموارد المحولة إلى الجهات على مستشفيات قريبة ومدارس جيدة ونقل عمومي وخدمات أساسية، حتى لا يتسع الفرق بين وتيرة الاستثمار وتحسن شروط العيش.
ولأن هذه الطموحات تحتاج إلى تمويل وثقة مؤسساتية، فإن محاربة تضارب المصالح والإثراء غير المشروع وإصلاح الصفقات العمومية ترتبط مباشرة بالعدالة الاجتماعية. فحماية المال العام، وتوسيع الوعاء الضريبي بإنصاف، وتوجيه الإنفاق إلى الأولويات الاجتماعية، شروط لتحويل التعهدات إلى نتائج دون تحميل الأجراء والطبقة المتوسطة أعباء إضافية.
وعليه، فإن قيمة التصريح الحكومي الجديد لا تكمن في ارتفاع سقف الوعود وحده، بل في إمكانية ترجمة التقاطعات مع الالتزامات الانتخابية والطموحات الاجتماعية إلى مكتسبات قابلة للقياس. فالاختبار الحقيقي يبدأ من ارتفاع الدخل الصافي بعد احتساب التضخم، وتراجع كلفة العلاج والسكن، وتحسن المعاشات، واتساع فرص الشغل اللائق، في إطار حوار اجتماعي منتج وتقييم دوري شفاف. عندها يصبح العيش الكريم حقا ملموسا لجميع المغاربة، وتتحول الدولة الاجتماعية من التزام سياسي إلى واقع يعزز العدالة والكرامة وتكافؤ الفرص.





