دراسة تكشف تحولات أولويات الحكومة وتضع نجاعة التنفيذ أمام اختبار مالي

أميمة حدري
كشفت دراسة أنجزها المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة بشأن مشاريع قوانين المالية للأعوام 2025 و2026 و2027 عن تحولات في أولويات الحكومة، أبرزها عودة القدرة الشرائية إلى واجهة التوجهات المعلنة، مقابل تصاعد حضور قضايا السيادة وإدماج الشباب في مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يضع تعدد الالتزامات الحكومية أمام تحدي الحفاظ على التوازنات المالية وضمان نجاعة التنفيذ.
وأفادت الدراسة بأن مشروع قانون المالية الجديد أعاد ترتيب المحاور التي تؤطر التوجهات الحكومية، من خلال الانتقال من أربعة محاور في مشروعي 2025 و2026 إلى خمسة محاور في مشروع 2027، تشمل القدرة الشرائية والدولة الاجتماعية المستدامة، وإدماج الشباب، والجهوية المتقدمة والتنمية الترابية المندمجة، والسيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، إلى جانب تقوية الاقتصاد والإصلاحات المؤسساتية والتوازنات المالية.
ويأتي هذا التغيير في أول مشروع مالية خلال الولاية التشريعية الثانية عشرة، وفي سياق تنزيل البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، بعدما تصدر توطيد المكتسبات الاقتصادية أولويات مشروع 2026، بينما أعاد المشروع الجديد القدرة الشرائية إلى مقدمة المحاور، مع تخصيص محور مستقل لإدماج الشباب وآخر للسيادة الاستراتيجية.
ورصدت الدراسة ارتفاعا في حضور مفهوم السيادة ضمن المذكرة التقديمية لمشروع 2027، إذ انتقل معدل تكراره من 0,5 لكل عشرة آلاف كلمة سنة 2025، و0,7 سنة 2026، إلى 5,8 سنة 2027. ويشمل هذا التوجه، وفق المعطيات الواردة في التقرير، السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، إلى جانب قضايا البذور واللقاحات البيطرية والسحابة الوطنية.
وسجل التحليل، الذي شمل المذكرات التقديمية للمشاريع الثلاثة، ارتفاع مؤشر المفردات المرتبطة بالشغل والشباب والتكوين من 32,2 في مشروع 2026 إلى 64,7 في مشروع 2027، فيما ارتفع مؤشر القدرة الشرائية والأسعار من 5,8 إلى 13، والسيادة الاستراتيجية من 5,6 إلى 11,8.
وفي مقابل هذا الحضور المتزايد، أظهرت الدراسة أن القدرة الشرائية تحظى بمكانة أكبر في التأطير العام للسياسات الحكومية مقارنة بتفصيلها ضمن برامج العمل. وبلغ مؤشر حضور العبارة المرتبطة بها 11,4 في التأطير، مقابل 1,7 في برامج العمل، التي تتركز تدابيرها أساسا على إصلاح الأسواق والأسعار.
كما رصد التقرير تحولا في المفردات المعتمدة لتقديم التدخلات الحكومية، من خلال تراجع تكرار كلمتي “الأشغال” و”البناء” بأكثر من النصف، مقابل ارتفاع تكرار كلمة “الولوج” بمقدار 2,6 مرة، وبروز كلمة “الخدمة” ضمن المفردات المفتاحية. ويرتبط هذا التحول، بحسب الدراسة، بانتقال التركيز من إنجاز البنيات والتجهيزات إلى الولوج إلى الخدمات العمومية وفعاليتها.
وحافظ المجال الترابي على حضوره ضمن الأولويات الحكومية، إذ بلغ مؤشره 71,9 في مشروع 2027، وهو المستوى نفسه المسجل في مشروع 2026. كما ارتفع معدل تكرار المفردات المرتبطة بالمجال الترابي من 7,8 سنة 2025 إلى 20,5 سنة 2027، بالتزامن مع تناول قضايا الخدمات المحلية، من قبيل حفظ الصحة والتنقل الحضري والمحطات الطرقية وسيارات الأجرة.
في المقابل، سجلت الدراسة تراجع مؤشر الكوارث وإعادة الإعمار بنحو 60 في المائة، من 16,9 سنة 2026 إلى 7 سنة 2027، وانخفاض مؤشر الماء باعتباره محورا مستقلا بنسبة 27 في المائة، من 34,8 إلى 25,4.
كما تراجع مؤشر الاستثمار الخاص والمقاولة بنسبة 23 في المائة، من 30,5 إلى 23,6، بينما ارتفع مؤشر البنيات التحتية والنقل والاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030 من 40,3 إلى 53,4.
وعلى المستوى المالي، يتوقع مشروع قانون المالية لسنة 2027 نموا اقتصاديا بنسبة 3,7 في المائة، مع حصر عجز الميزانية في 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، واستهداف مديونية للخزينة تبلغ 66,9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي. كما يتضمن المشروع استثمارا عموميا إجماليا بقيمة 400 مليار درهم، وإحداث 34.454 منصبا ماليا.
وتضع هذه الأرقام الالتزامات الحكومية في المجالات الاجتماعية والترابية والاستراتيجية أمام تحدي التوفيق بين متطلبات التمويل والقيود المرتبطة بالتوازنات المالية، خصوصا في ظل تعدد الأولويات التي يتعين تنزيلها خلال الولاية الحكومية الجديدة.
وتبرز المقارنة، في هذا السياق، أهمية الانتقال من تحديد الأهداف في الوثائق المالية إلى قياس مدى تنفيذ البرامج والنتائج المحققة على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
واعتمدت الدراسة على تحليل النسخ الفرنسية للمذكرات التقديمية لمشاريع قوانين المالية للأعوام 2025 و2026 و2027، مع ترجمة المفردات المعروضة إلى العربية وتوحيد معدلات التكرار بحسب عدد الكلمات، بالنظر إلى اختلاف أحجام الوثائق. موضحة أن النتائج تقيس حضور الموضوعات في الخطاب المالي الرسمي، ولا تمثل تقييما للتنفيذ الفعلي أو حصيلة للإنجازات المحققة.





