التامك يكشف مشاريع سجنية جديدة ويدعو إلى سياسة عمومية لإنهاء أزمة الاكتظاظ وتعزيز إعادة الإدماج

مديحة المهادنة
بين ضغط الاكتظاظ ورهانات الإصلاح، تواجه المؤسسات السجنية بالمغرب معادلة معقدة، عنوانها ارتفاع أعداد المعتقلين مقابل محدودية الطاقة الاستيعابية، في وقت تتجه فيه المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج إلى تعزيز بنياتها التحتية وتوسيع برامج التأهيل، وسط دعوات لإرساء سياسة عمومية مندمجة تجعل إعادة إدماج السجناء مسؤولية مؤسساتية مشتركة، تتجاوز حدود السجن إلى المجتمع.
وكشف محمد صالح التامك، المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، خلال تقديم مشروع الميزانية الفرعية للمندوبية العامة برسم سنة 2027، الأربعاء 4 نونبر 2026، أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، أن الساكنة السجنية بلغت 102 ألفاً و941 سجيناً عند متم أكتوبر الماضي، مقابل 98 ألفاً و299 خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
وأوضح التامك أن نسبة إشغال المؤسسات السجنية بلغت 158 في المائة، متجاوزة 300 في المائة ببعض المؤسسات، ما يضاعف الضغط على الخدمات الصحية والتغذية والإيواء والتأهيل، ويحد من فعالية الجهود الرامية إلى تحسين ظروف الاعتقال.
وأكد أن معالجة الاكتظاظ لا يمكن اختزالها في بناء مؤسسات سجنية إضافية، مشيراً إلى أن تفعيل آلية التخفيف التلقائي للعقوبة أفضى إلى تسجيل 152 ألفاً و487 حالة استفادة، ترتب عنها الإفراج عن 12 ألفاً و545 سجيناً، دون أن ينعكس ذلك في انخفاض مستدام لأعداد السجناء، في ظل محدودية تنزيل العقوبات البديلة.
وفي هذا السياق، دعا المندوب العام إلى إرساء سياسة عمومية مندمجة لتأهيل السجناء وإعادة إدماج المفرج عنهم، تحظى بمكانة واضحة ضمن البرامج الحكومية، وتحدد مسؤوليات المتدخلين وآليات التمويل والتتبع والتقييم، بما يضمن انخراطاً فعلياً لمختلف القطاعات المعنية.
وعلى مستوى البنيات التحتية، أعلن التامك افتتاح السجن المحلي الجديد بابن جرير خلال سنة 2026، ومواصلة إنجاز مؤسسات سجنية جديدة ومشاريع للتوسعة والإصلاح، إلى جانب إعداد الدراسات التقنية لإنجاز مركب سجني جديد بمديونة يضم خمس مؤسسات، لتعويض المركب السجني بعين السبع المعروف بـ«عكاشة».
كما تشمل المشاريع المرتقبة بناء مؤسسات سجنية بأسا الزاك وتنغير، وإنجاز مؤسسة جديدة لتعويض السجن المحلي بسلا، في إطار تجديد الحظيرة السجنية وتحسين التوزيع الجغرافي للطاقة الاستيعابية.
وفي مجال تحسين ظروف الإقامة، أبرز المسؤول ذاته مواصلة تحديث التجهيزات الأساسية وتأهيل المطابخ وتوسيع وحدات إنتاج الخبز، ليبلغ عدد المؤسسات السجنية المتوفرة على مخابز 47 مؤسسة، توفر هذه المادة لفائدة ما يقارب 60 في المائة من الساكنة السجنية.
أما في المجال الصحي، فكشف التامك عن تعزيز العرض العلاجي من خلال افتتاح وحدة لغسيل الكلى بالسجن المحلي بالرشيدية وإحداث أخرى بالداخلة، إلى جانب تنظيم 11 حملة طبية متعددة التخصصات، وتوسيع برامج الوقاية والكشف المبكر عن الأمراض والتكفل باضطرابات الإدمان.
غير أن هذه الجهود، وفق التامك، تصطدم بخصاص في الأطر الطبية وصعوبات استقطابها، ما دفع المندوبية إلى اقتراح إدراج المؤسسات السجنية ضمن الخريطة الصحية للمجموعات الصحية الترابية الجديدة، لضمان استفادة السجناء من دينامية إصلاح المنظومة الصحية الوطنية.
وفي ما يتعلق بالتأهيل وإعادة الإدماج، أفاد المندوب العام بأن عدد المستفيدين من مختلف المسالك التعليمية بلغ 4475 سجيناً، فيما حصل 4013 نزيلاً على شواهد تعليمية، بارتفاع نسبته 48.52 في المائة مقارنة بالموسم الدراسي السابق.
كما استفاد 2495 سجيناً من البرامج الجامعية، وحصل 325 منهم على شواهد جامعية، شملت الإجازة والماستر والدكتوراه، بينما استفاد 3690 سجيناً من برامج محو الأمية.
وعلى مستوى التكوين المهني، بلغ عدد المستفيدين 8730 سجيناً، بزيادة بلغت 5 في المائة، فيما شملت برامج التكوين الحرفي والفني 190 سجيناً وسجينة، إلى جانب إطلاق النسخة الثالثة من برنامج «فرصة وإبداع» لتكوين 220 سجيناً في مختلف الحرف التقليدية.
وشدد التامك على أن العقوبة السالبة للحرية ينبغي ألا تقتصر على الردع، بل يجب أن تتحول إلى فرصة لاكتساب المعرفة والمهارات وإعداد السجين للعودة إلى المجتمع، مؤكداً أن نجاح هذه المقاربة يظل رهيناً بتعبئة مختلف المؤسسات الحكومية والشركاء المعنيين.
وتكشف المعطيات المقدمة أن تحديات تدبير المؤسسات السجنية باتت تتجاوز توفير أماكن إضافية للاعتقال، لتشمل ضمان الرعاية الصحية والتأهيل المهني والاجتماعي، في ظل الحاجة إلى تنسيق مؤسساتي يجعل الحد من الاكتظاظ وإعادة الإدماج هدفين متكاملين ضمن السياسة الجنائية والاجتماعية بالمملكة.





