هرمز يضيق أكثر.. توتر صامت في هرمز وإيران تفرض مسارات بحرية جديدة

حسين العياشي
يسجّل مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، عودة قوية إلى دائرة التوتر والترقب، بعدما أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، يوم 9 أبريل 2026، توجيهات جديدة تلزم السفن التجارية بسلوك مسارات بديلة لعبور هذا المعبر الاستراتيجي الرابط بين الخليج وبحر عُمان، في خطوة تعكس مزيجاً معقداً من الاعتبارات الأمنية وحسابات التحكم في حركة التجارة العالمية للطاقة.
وجاء هذا القرار في سياق دقيق أعقب إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وهو الاتفاق الذي كان من المفترض أن يمهد لإعادة فتح هذا الشريان الحيوي أمام حركة الملاحة الدولية بعد أسابيع من شبه الشلل، منذ اندلاع المواجهات أواخر فبراير الماضي، حين خضع المضيق لرقابة مشددة وسط تصاعد غير مسبوق في التوترات الأمنية بالمنطقة.
وبحسب التوجيهات الإيرانية، أصبحت السفن الداخلة إلى الخليج مطالبة بالمرور عبر ممر بحري ضيق يقع بين السواحل الإيرانية وجزيرة لارك، فيما يتعين على السفن المغادرة سلوك طريق جنوبي يبتعد عن المسار التقليدي القريب من السواحل العُمانية. هذه التغييرات، التي بدأت بعض السفن بالفعل في اعتمادها، تعكس تحوّلاً عملياً في خريطة الملاحة داخل المضيق، وتضع حركة العبور تحت مراقبة مباشرة من الجانب الإيراني.
ولا يبدو اختيار جزيرة لارك اعتباطياً، إذ تمثل هذه النقطة موقعاً جغرافياً بالغ الحساسية يتيح لإيران تعزيز قدرتها على تتبع السفن وتنظيم تدفقها، في ظل تبريرات رسمية تشير إلى احتمال وجود ألغام بحرية في المسارات التقليدية. غير أن هذا التبرير الأمني يخفي في طياته بعداً استراتيجياً أعمق، يتمثل في إعادة فرض نوع من السيطرة الميدانية على واحد من أهم المعابر التي تمر عبرها نسبة معتبرة من إمدادات الطاقة العالمية.
وتعكس المؤشرات الأولية حجم التأثير المباشر لهذه التطورات على حركة النقل البحري، إذ شهدت الفترة الممتدة بين مطلع مارس والسابع من أبريل انخفاضاً حاداً في عدد السفن العابرة، حيث لم يتجاوز عدد الرحلات 307 مروراً فقط، أي بتراجع يناهز 95 في المائة مقارنة بالمعدلات الطبيعية. وخلال شهر مارس وحده، تم تسجيل 220 عبوراً، منها 111 ناقلة نفط، ما يعكس استمرار الحذر في استئناف النشاط الملاحي رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.
وتكتسي هذه الأرقام دلالات تتجاوز الجانب الإحصائي، بالنظر إلى أن مضيق هرمز يمر عبره في الظروف العادية نحو 20 في المائة من النفط الخام العالمي، إلى جانب كميات مهمة من الغاز الطبيعي المسال. وبالتالي، فإن أي اضطراب في هذا الممر، مهما بدا محدوداً زمنياً، ينعكس بشكل مباشر على تكاليف الشحن وأسعار الطاقة وسلاسل التوريد، ليس فقط في منطقة الخليج، بل على امتداد الأسواق الدولية.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن عودة الملاحة إلى مضيق هرمز لن تكون مجرد مسألة تقنية مرتبطة بإعادة فتح الممر، بل ترتبط بإعادة ترتيب موازين السيطرة والنفوذ داخل منطقة تتقاطع فيها المصالح الجيوسياسية مع رهانات الاقتصاد العالمي، حيث تتحول كل خطوة ميدانية إلى رسالة سياسية، وكل مسار بحري إلى أداة ضمن معادلة أوسع لإدارة التوتر والتحكم في تدفقات الطاقة.
وإلى أن تستقر الأوضاع بشكل كامل، سيظل هذا المضيق الضيق جغرافياً، الواسع تأثيراً، تحت أعين العالم، باعتباره أحد أبرز نقاط الاختناق التي تختبر عندها هشاشة النظام الطاقي العالمي وقدرته على امتصاص الصدمات.





