الصيد الجائر يهدّد أمن المغرب الغذائي البحري..السفن كبرى تعبث بالفترة البيولوجية وهذه هي النتيجة!!

 

بشرى عطوشي

تعيش السواحل المغربية خلال السنوات الأخيرة اختلالاً مقلقاً بسبب عدم احترام الفترة البيولوجية التي يفترض أن تُمنح للبحر ليستعيد توازنه الطبيعي. ورغم أهمية هذه المرحلة في ضمان تكاثر الأصناف البحرية وحماية المخزون الوطني، فإن جزءاً مهماً من أساطيل الصيد لا يزال يتعامل معها كـ”فترة فراغ” يمكن استغلالها بعيداً عن أعين المراقبة.

 

إن القوارب الصغيرة والمتوسطة، بحكم ارتباطها المباشر بالبحر وبحكم هشاشة دخلها اليومي، تحرص في الغالب على احترام هذه الفترات حمايةً لموردها الأساسي. لكنها تُواجه في المقابل سلوكاً مغايراً من طرف بعض سفن الصيد الساحلي والجرّ، التي تواصل نشاطها بشكل غير قانوني، وتستهدف أنواعاً تخضع للراحة البيولوجية، مستغلةً حجمها وقوتها الميدانية وشبكاتها الواسعة داخل سلسلة التوزيع.

 

هذه السفن، التي تُخرج كميات ضخمة من البحر في أوقات حساسة، أصبحت تتحكم عملياً في بنية الأسعار داخل الأسواق الوطنية. فهي المسيطر الأكبر على العرض، وبالتالي فهي التي ترسم سقف الأسعار في الموانئ، مما يفرض على الصيادين الصغار الخضوع لمنطق سوق مختل تُديره القوة لا القانون. وهكذا يتشكل نوع من الاحتكار غير المعلن، ينعكس بصورة مباشرة على المستهلك المغربي.

 

تداعيات هذا الخلل لا تقتصر على اللحظة الراهنة، بل تمتد إلى المستقبل القريب، خصوصاً ونحن مقبلون على شهر رمضان، الذي يشهد سنوياً ارتفاعاً كبيراً في الطلب على الأسماك. ومع تراجع المخزون بسبب الصيد الجائر، تصبح السوق مهيأة لارتفاعات إضافية في الأسعار، لأن العلاقة بين العرض والطلب تصبح غير متوازنة: مخزون منهك، وطلب متزايد، وسوق بلا ضبط.

 

أما بيئياً، فإن استمرار هذا السلوك يُهدد أهم الركائز البحرية للمغرب. فالصيد خلال الفترات البيولوجية يدمّر الأجيال الجديدة من الأسماك، ويؤدي إلى انهيار بعض الأصناف، كما حدث في تجارب سابقة. استعادة المخزون في مثل هذه الحالات يتطلب سنوات من إعادة التوازن البيئي، وهو ما يعني خسائر طويلة الأمد، ليس فقط للسوق الداخلي، بل لقطاع الصيد بأكمله، وللعمال، ولقدرة المغرب على التصدير.

 

وتتقاسم المسؤولية في هذا الواقع جهات عدة:

فاعلون كبار في القطاع يقدّمون الربح السريع على الاستدامة، وضعف واضح في المراقبة البحرية داخل بعض المناطق، إضافة إلى غرامات وعقوبات لا ترتقي إلى مستوى الخسائر التي يتسبب فيها الصيد العشوائي، مما يجعل المخالفة أقل كلفة من الالتزام.

 

أمام هذا الوضع، يُطرح السؤال بحدة:

هل يستمر نزيف الثروة البحرية وارتفاع الأسعار بدون سقف، أم يتجه المغرب نحو فرض قواعد صارمة تعيد الانضباط للقطاع، وتحمي المخزون، وتضمن سوقاً عادلة للمستهلك والصياد على حدّ سواء؟

 

إن مستقبل الأمن الغذائي البحري في المغرب يتوقف على الجواب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى