رمضان وحوادث السير: كيف يؤثر الصيام على سلوك السائقين؟

سكينة بوست: صحافية متدربة
مع حلول شهر رمضان المبارك في كل سنة، تتغيّر حركة السير في المدن المغربية بشكل واضح، فتبدو الطرق على مدار اليوم مزدحمة، لكن في الساعات التي تسبق آذان المغرب يزداد الوضع حدةً بشكل لافت. ورغم الانتشار المكثّف لعناصر المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي، تعاني شوارعنا من ازدحامات مرورية وضغوط نفسية واضحة، ويتساءل المواطنون: لماذا تتفاقم حوادث السير في هذا التوقيت بالذات؟
تشير آخر التقارير الصادرة عن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية إلى أن المغرب سجل خلال العام الماضي أكثر من 143 ألف حادثة سير عبر مختلف أنحاء التراب الوطني، خلفت آلاف الإصابات والوفيات. كما تظل فترة شهر رمضان من بين الفترات التي تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في حوادث السير مقارنة بباقي شهور السنة.
وقد أكدت الوكالة في بياناتها السنوية أن بعض فترات ما قبل الإفطار تعرف ارتفاعاً في مخالفات السرعة وعدم احترام قواعد السير، وهو ما يعكس وجود تحديات سلوكية وسياقية مرتبطة بطريقة قيادة بعض السائقين خلال هذه الفترة من اليوم.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل البعد النفسي والاجتماعي الذي يرافق شهر الصيام، حيث تتغير عادات الناس اليومية، ويتبدل إيقاع النوم والأكل، مما قد يؤثر على القدرات النفسية والجسدية أثناء القيادة. ومع وجود ضغوط اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالتحضير للإفطار والتزامات أخرى، تتداخل عدة عوامل تجعل القيادة في رمضان أكثر من مجرد حركة مرور، بل تجربة نفسية وسلوكية تتطلب فهماً أعمق.
وفي هذا السياق، أكد بوشعيب الباز، مستشار نفسي تربوي، في تصريحه لـ «إعلام تيفي”، أن الصيام قد يؤثر لدى بعض الأشخاص على التوازن النفسي والعصبي، خاصة مع الامتناع عن الأكل لساعات طويلة، وهو ما قد ينعكس على مستوى التركيز وردود الفعل أثناء القيادة.
تأثير الصيام على الحالة النفسية والتركيز أثناء القيادة
وأوضح بوشعيب الباز أن الصيام، باعتباره امتناعاً عن الأكل لساعات طويلة، قد يؤثر لدى بعض الأشخاص على التوازن النفسي والعصبي. فالغذاء، حسب قوله، يساهم في تنشيط بعض الهرمونات المرتبطة بالشعور بالراحة والاسترخاء، كما يساعد على الحفاظ على توازن ضغط الدم ومستوى السكر في الجسم.
وأكد أن هذا التأثير لا يشمل جميع الصائمين، لكنه يظهر لدى بعض الأشخاص الذين يعتمد توازنهم النفسي بشكل كبير على النظام الغذائي. هؤلاء قد يصبحون أكثر عرضة للتوتر أو سرعة الانفعال خلال النهار، وهو ما قد ينعكس على سلوكهم في الفضاءات العامة، ومن بينها الطريق.
لذلك قد نلاحظ أن بعض السائقين يصبحون أكثر عصبية أو أقل تحكماً في ردود أفعالهم خلال فترة الصيام، نتيجة تأثير الامتناع عن الأكل على الجهاز العصبي والناقلات العصبية في الجسم.
السرعة المفرطة قبل الإفطار وعلاقتها بالقلق الزمني
أما بخصوص السرعة المفرطة التي يسجلها بعض السائقين قبل موعد الإفطار، فيرى الباز أن الأمر يرتبط بما يمكن تسميته بـ “القلق الزمني“، أي الخوف من عدم الوصول إلى المنزل في الوقت المناسب.
وأشار إلى أنه من خلال ملاحظات ميدانية بسيطة، لاحظ أن عدداً من السائقين لا يملكون تفسيراً واضحاً لاندفاعهم نحو السرعة قبل الإفطار، إذ يجدون أنفسهم بشكل تلقائي في حالة توتر مع اقتراب موعد الأذان، حيث تزداد دقات القلب ويرتفع الضغط لديهم. هذا التوتر يدفع بعضهم إلى التسريع بشكل لا إرادي في محاولة للوصول إلى البيت قبل موعد الإفطار.
وأضاف أن هذا السلوك قد يكون مرتبطاً أيضاً بتأثير الصيام على الجسم، خاصة عندما يحدث نقص في بعض العناصر الغذائية الأساسية مثل السكريات أو البروتينات أو المعادن، وهو ما قد يؤدي إلى خلل مؤقت في منظومة الانفعالات والتحكم في السلوك.
لماذا تستمر الحوادث رغم المراقبة الأمنية؟
وعن استمرار ارتفاع حوادث السير خلال رمضان رغم الانتشار المكثف لعناصر المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي، يرى المتحدث أن العامل النفسي يظل حاسماً في هذه الظاهرة.
فبحسبه، قد يكون شخص متهور واحد بين عشرة سائقين كافياً لإحداث ارتباك في حركة السير، ما يؤدي أحياناً إلى وقوع حادث. كما أن بعض السائقين يستغلون أحياناً ما يعتقدونه فراغاً مؤقتاً في المراقبة المرورية خلال اللحظات التي تسبق الإفطار، فيقومون بخرق قانون السير أو القيادة بسرعة مفرطة.
ويؤكد أن هذه السلوكيات لا ترتبط فقط بظروف الطريق، بل أيضاً بحالة نفسية تتسم بالتوتر والإجهاد نتيجة الجوع أو انخفاض الطاقة في الجسم.
حوادث ما قبل الإفطار… بين المشكل المروري وضعف التحكم في الانفعالات
ويرى الباز أن عدداً من الحوادث التي تقع قبيل الإفطار لا يمكن تفسيرها فقط باعتبارها مشكلة مرورية عادية، بل ترتبط في كثير من الأحيان بضعف التحكم في الانفعالات.
ففي الأيام العادية قد تقع الحوادث بسبب السرعة أو مخالفة القوانين، لكن خلال رمضان قد تتداخل هذه العوامل مع حالة نفسية متوترة لدى بعض السائقين، ما يؤدي إلى تصرفات اندفاعية أو قرارات غير محسوبة أثناء القيادة.
كما يشير إلى أن جزءاً من الإشكال يرتبط أيضاً بضعف الوعي بأهداف الصيام وقيمه، مؤكداً أن رمضان ليس مجرد امتناع عن الأكل، بل هو أيضاً مدرسة للصبر والتسامح وضبط النفس، وهي قيم يفترض أن تنعكس كذلك في السلوك داخل الفضاء العام، بما في ذلك الطريق.
نصائح نفسية للسائقين قبل أذان المغرب
وفي ختام حديثه، قدم المستشار النفسي التربوي مجموعة من النصائح العملية للسائقين خلال الفترة التي تسبق الإفطار. ويؤكد في هذا السياق أن الوصول إلى المنزل بسلام أهم بكثير من الوصول بسرعة أو في حالة توتر.
وينصح السائقين بمحاولة التحكم في انفعالاتهم أثناء القيادة، واستحضار قيم الصبر والتسامح التي يدعو إليها شهر رمضان. كما يشدد على ضرورة إدراك أن السرعة لا توفر الوقت بقدر ما تزيد من خطر وقوع الحوادث.
ومن بين النصائح أيضاً أن يتقبل السائق فكرة أنه قد لا يتمكن دائماً من الوصول إلى المنزل في الوقت المناسب للإفطار، مؤكداً أنه يمكن ببساطة الإفطار في الطريق بتمرات أو ماء إن اقتضت الضرورة.
كما يدعو الأشخاص الذين يعانون من توتر شديد أو أعراض صحية خلال الصيام إلى مراقبة ضغط الدم ومستوى السكر، واستشارة الطبيب إذا لاحظوا أن حالتهم الصحية تؤثر على سلوكهم أو قدرتهم على القيادة بأمان، لأن الحفاظ على سلامة النفس والآخرين يظل أولوية قبل كل شيء.





