الأمطار فرصة لإعادة ترتيب السياسة الفلاحية في المغرب

بشرى عطوشي

بعد سنوات متتالية من الجفاف الذي أرهق الاقتصاد الوطني وأثّر بشكل مباشر على القطاع الفلاحي، جاءت هذه السنة بأمطار غزيرة وفيضانات في عدد من المناطق، الأمر الذي ساهم بشكل ملحوظ في تعزيز الفرشة المائية ورفع منسوب الموارد المائية في السدود والآبار. هذه المعطيات الجديدة تضع الدولة أمام فرصة استراتيجية ينبغي استثمارها بحكمة لتحويل الوفرة الظرفية في المياه إلى قاعدة دائمة لتنمية فلاحية مستدامة.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى توجيه السياسات العمومية والقطاعات المالية نحو تشجيع الاستثمار الفلاحي العصري والذكي، القائم على التقنيات الحديثة في الري والتدبير الفعّال للموارد المائية. ويتطلب ذلك بلورة برامج تمويل متطورة ومواكبة حثيثة للفلاحين والمستثمرين، وفق معايير دولية تضمن الإنتاجية والاستدامة في آن واحد.

كما أن المرحلة الحالية تستدعي تقنين سلاسل الإنتاج الزراعي بشكل أكثر صرامة، عبر تنظيم حلقات التوزيع والتسويق، والحد من هيمنة الوسطاء والمضاربين الذين غالباً ما يتسببون في تضخم الأسعار دون أن يستفيد المنتج أو المستهلك بشكل عادل. فدراسة الأسواق المحلية والعالمية، وتوجيه الإنتاج نحو سد الحاجيات الوطنية أولاً، يمكن أن يساهم في تحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي واستقرار الأسعار داخل السوق المغربية.

إن تمكين المستهلك المغربي من لمس أثر البرامج الحكومية على أرض الواقع سيعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويجعل المجتمع شريكاً فعلياً في الحفاظ على الموارد الطبيعية. فحين يدرك المواطن أن تدبير المياه يتم بعقلانية وأن السياسات الفلاحية تحقق نتائج ملموسة، يصبح أكثر استعداداً للمساهمة في ترشيد استهلاك الماء والحفاظ عليه للأجيال القادمة.

وبين وفرة الأمطار وذاكرة سنوات الجفاف، تقف المملكة اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تتحول هذه النعمة إلى رافعة لإقلاع فلاحي حقيقي، أو أن تضيع فرصة أخرى في دوامة التدبير الظرفي. والرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذه الموارد المائية المتجددة إلى مشروع تنموي طويل الأمد يضمن الأمن الغذائي ويصون نعمة الماء من تقلبات المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى