صلاح الدين: ارتفاع عدد البرلمانيات لا يكفي.. المشاركة المؤثرة هي الرهان الحقيقي

حسين العياشي

في الثامن من مارس من كل عام، يتجدد النقاش حول موقع النساء داخل الفضاءات السياسية ومراكز القرار، ليس فقط بوصفه مناسبة احتفالية بالإنجازات المحققة، بل كذلك محطة لتقييم مسار المشاركة النسائية في المؤسسات التمثيلية واستشراف التحديات التي ما تزال تعترض طريقها. وفي هذا السياق، أكد حليم صلاح الدين، الباحث المتخصص في الرصد البرلماني، أن اليوم العالمي للمرأة يشكل فرصة مناسبة لإجراء قراءة موضوعية لمكانة النساء داخل البرلمان المغربي، خصوصا في ضوء المعطيات التي أفرزتها الانتخابات التشريعية لسنة 2021، التي اعتبرها محطة مفصلية في مسار تطور التمثيلية النسائية بالمؤسسة التشريعية.

وفي تصريح لـ”إعلام تيفي”، أوضح صلاح الدين أن انتخابات 2021 أفرزت تركيبة برلمانية تضم 96 نائبة من أصل 395 عضوا بمجلس النواب، أي بنسبة تقارب 24.3 في المائة، وهو ما يمثل تطورا ملحوظا مقارنة بالولايات التشريعية السابقة. ويرى أن هذا التقدم يعكس بالأساس أثر الآليات القانونية للتمييز الإيجابي التي اعتمدها المشرع بهدف تعزيز ولوج النساء إلى المؤسسة التشريعية، إذ يعود جزء مهم من هذه التمثيلية إلى نظام اللوائح الجهوية المخصصة للنساء، والتي تضم 90 مقعدا، في حين تمكنت نسبة محدودة منهن من الظفر بالمقاعد عبر المنافسة المباشرة داخل الدوائر الانتخابية المحلية.

غير أن هذه الأرقام، بحسب الباحث، تكشف في الوقت ذاته عن حدود النموذج الحالي لتعزيز التمثيلية النسائية، إذ ما يزال حضور جزء كبير من النساء داخل مجلس النواب مرتبطا بآليات الدعم القانوني أكثر مما هو نتاج منافسة انتخابية مباشرة داخل الدوائر المحلية. وهو ما يطرح، في تقديره، تحديا سياسيا حقيقيا يرتبط بمدى قدرة الأحزاب السياسية على الدفع بترشيحات نسائية قوية وقادرة على خوض المنافسة في الدوائر الانتخابية التنافسية.

وفي المقابل، تبدو الصورة أكثر تحفظا داخل مجلس المستشارين، حيث لا تتجاوز نسبة تمثيلية النساء حوالي 12 في المائة، وهو ما يعكس طبيعة نظام الانتخاب غير المباشر الذي يطبع هذه المؤسسة، إضافة إلى هيمنة النخب الاقتصادية والمهنية والمنتخبة محليا على هذا النمط من التمثيل، الأمر الذي يحد نسبيا من فرص ولوج النساء إلى هذه الغرفة البرلمانية.

ويؤكد صلاح الدين أن تقييم المشاركة السياسية للنساء لا ينبغي أن يظل رهينا بالمؤشر العددي للتمثيلية داخل البرلمان فقط، بل يتعين أن يشمل أيضا مستوى حضور النساء داخل هياكل القيادة البرلمانية، ومدى مشاركتهن في رئاسة اللجان الدائمة، وفي تقديم المبادرات التشريعية، فضلا عن مساهمتهن في ممارسة الوظيفة الرقابية للمؤسسة التشريعية.

وفي هذا السياق، أشار المتحدّث إلى أن الولاية التشريعية الحالية عرفت حضورا متزايدا لقضايا النساء داخل النقاش البرلماني، سواء من خلال مناقشة النصوص المرتبطة بتوسيع الحماية الاجتماعية، أو عبر النقاش العمومي المتواصل حول مراجعة مدونة الأسرة، إضافة إلى عدد من المبادرات التشريعية والسياسية الرامية إلى محاربة العنف ضد النساء وتعزيز تكافؤ الفرص.

ويرى الباحث أن الرهان المطروح مستقبلا يتمثل في الانتقال من منطق التمثيلية الرمزية أو العددية إلى منطق المشاركة النوعية والمؤثرة داخل العمل البرلماني، بما يسمح بإدماج مقاربة النوع الاجتماعي في صياغة السياسات العمومية وتقييم آثارها الاجتماعية.

واستشرافا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، شدد حليم صلاح الدين على أن تعزيز التمكين السياسي للنساء يمر عبر ثلاثة مداخل أساسية، أولها تطوير آليات التمييز الإيجابي بما يضمن توسيع مشاركة النساء داخل الدوائر الانتخابية المحلية، وثانيها تعزيز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب السياسية بما يسمح ببروز قيادات نسائية قادرة على خوض المنافسة الانتخابية، وثالثها دعم التكوين السياسي والبرلماني للنساء بهدف توسيع قاعدة النخب النسائية المؤهلة لتحمل المسؤوليات الانتدابية.

وختم تصريحه بالتأكيد على أن تحقيق مبدأ المناصفة الذي نص عليه دستور 2011 يظل هدفا استراتيجيا في مسار ترسيخ الديمقراطية المغربية، غير أن بلوغ هذا الهدف يقتضي مسارا تدريجيا يرسخ ثقافة سياسية ومؤسساتية جديدة، تجعل حضور النساء داخل مواقع القرار جزءا طبيعيا من بنية النظام التمثيلي، لا مجرد استثناء تفرضه الآليات القانونية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى