هل تنجح الإصلاحات الانتخابية في استعادة ثقة الشباب والناخبين في العمل السياسي؟ (حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر 

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يتجدد النقاش السياسي حول إصلاح المنظومة الانتخابية بالمغرب، في ظل مساع رسمية تروم تطوير القواعد المؤطرة للعملية الانتخابية وتعزيز شروط الشفافية وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين السياسيين.

وتندرج هذه الإصلاحات ضمن سياق أوسع يسعى إلى تقوية الثقة في المؤسسات التمثيلية والارتقاء بالممارسة الديمقراطية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بظاهرة العزوف الانتخابي وانتقادات جزء من الرأي العام لأداء النخب السياسية التقليدية.

وفي هذا السياق، يقدم أمين السعيد، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، قراءة في أبرز ملامح الإصلاحات المرتبطة بالمنظومة الانتخابية، متوقفا عند أبعادها السياسية والمؤسساتية، وكذا عند بعض الإشكالات التي قد تثيرها على مستوى التطبيق.

كما يتناول بالتحليل رهانات تشجيع مشاركة الشباب والنساء، وتعزيز نزاهة العملية الانتخابية، إلى جانب أهمية تحديد الجدول الزمني للاستحقاقات المقبلة ودور هذه الإصلاحات في تجديد الحياة السياسية بالمغرب.

وفي ما يلي نص الحوار:

في البداية، كيف تنظرون إلى الإجراءات التي تم اتخاذها لتشجيع مشاركة الشباب والنساء في الانتخابات المقبلة؟

في ما يتعلق بتشجيع مشاركة الشباب والنساء، يمكن القول إن الإصلاحات الانتخابية الجديدة أولت عناية خاصة لهذه الفئات التي ظلت لسنوات تعاني من ضعف الحضور داخل المؤسسات المنتخبة، فقد تم تكريس الدوائر الجهوية الخاصة بالنساء، وهو إجراء يهدف إلى تعزيز حضور المرأة داخل المؤسسة التشريعية وتوسيع قاعدة تمثيليتها السياسية، بما ينسجم مع التوجهات الدستورية الداعية إلى تحقيق مبدأ المناصفة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى المسؤوليات التمثيلية.

كما أن الإصلاحات حملت أيضا بعدا تحفيزيا من خلال إقرار تحفيزات مالية لفائدة الأحزاب السياسية التي تعمل على ترشيح الشباب والنساء، إضافة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة ومغاربة العالم، والغاية من هذه التحفيزات هي تشجيع الأحزاب على فتح المجال أمام طاقات جديدة وتجديد النخب السياسية داخل المؤسسات المنتخبة.

وفي السياق ذاته، تم تخصيص دعم مالي للشباب المستقلين الراغبين في الترشح للانتخابات، وهو توجه يحمل في ظاهره رغبة في توسيع المشاركة السياسية خارج الإطارات الحزبية التقليدية.

غير أن هذا الإجراء يثير في المقابل نقاشا حول الشروط المرتبطة بالاستفادة من هذا الدعم، إذ تبدو هذه الشروط معقدة إلى حد ما، وقد تشكل عائقا أمام العديد من الشباب الذين يطمحون إلى خوض غمار التجربة الانتخابية بشكل مستقل.

وهذا النقاش يرتبط أيضا بالتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في صفوف فئة الشباب، حيث يلاحظ بروز جيل جديد ينتقد أداء الأحزاب السياسية التقليدية ويعبر في كثير من الأحيان عن نوع من العزوف أو عدم الثقة في العمل الحزبي الكلاسيكي، لذلك فإن نجاح هذه المقتضيات سيظل مرتبطا بمدى قدرة النظام الانتخابي على ترجمتها إلى فرص حقيقية تتيح للشباب والنساء الانخراط الفعلي في العمل السياسي والتمثيلي.

ما الذي يميز مسار إصلاح المنظومة الانتخابية هذه المرة مقارنة مع تجارب سابقة؟

ما يميز هذه المرحلة هو اعتماد مقاربة تشاركية واضحة في إعداد الإصلاحات الانتخابية. فقد حرصت وزارة الداخلية على فتح قنوات التشاور مع مختلف الأحزاب السياسية من أجل بناء توافق واسع حول القواعد المؤطرة للعملية الانتخابية. هذا النهج يعكس إرادة سياسية لتدبير الإصلاح عبر الحوار المؤسساتي بدل الانفراد بالقرار، كما أنه يأخذ بعين الاعتبار مختلف التصورات والمقترحات المطروحة داخل الحقل السياسي.
ومن شأن هذه المقاربة أن تعزز الثقة بين الفاعلين السياسيين والمؤسسات المشرفة على العملية الانتخابية، لأنها تتيح للأحزاب المشاركة في صياغة القواعد التي ستنظم التنافس الانتخابي. وبالتالي فإن الإصلاح لا يقدم باعتباره مجرد تعديل تقني، بل كعملية توافقية تهدف إلى تطوير المنظومة الانتخابية وضمان شروط منافسة أكثر شفافية ووضوحا.

تحدثتم أيضا عن مسألة التبكير بالإصلاحات الانتخابية، ما أهمية هذا الأمر؟

التبكير بإقرار الإصلاحات الانتخابية يعد مؤشرا مهما على الرغبة في تنظيم العملية الانتخابية في ظروف مستقرة وواضحة. ففي تجارب سابقة، كانت بعض التعديلات تتم في وقت متأخر نسبيا، وهو ما كان يخلق نوعا من الارتباك لدى الأحزاب السياسية والفاعلين المعنيين بالعملية الانتخابية.
أما هذه المرة، فقد تم اعتماد مبدأ الإعداد القبلي للمنظومة الانتخابية داخل أجل زمني كاف، وهو ما يسمح للأحزاب بالتأقلم مع القواعد الجديدة والاستعداد الجيد للاستحقاقات المقبلة. كما أن هذا التوجه يعزز وضوح قواعد المنافسة السياسية، ويمنح الفاعلين السياسيين الوقت اللازم لإعداد برامجهم وترشيحاتهم في إطار قانوني مستقر.

 كيف تسهم هذه الإصلاحات في تعزيز نزاهة الانتخابات ومصداقيتها؟

الإصلاحات الجديدة تسعى إلى تعزيز تخليق الحياة الانتخابية عبر إقرار مجموعة من القواعد الصارمة التي تستهدف الحد من الممارسات التي قد تمس بنزاهة الاقتراع. فهناك توجه واضح نحو تشديد العقوبات المرتبطة بخرق القوانين الانتخابية، وهو ما يبعث رسالة قوية مفادها أن المنافسة الانتخابية يجب أن تتم في إطار احترام القانون وتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.
كما أن هذه الإجراءات تسهم في تعزيز مصداقية العملية الانتخابية لدى الرأي العام، لأن أحد أسباب العزوف الانتخابي في كثير من الأحيان يرتبط بضعف الثقة في نزاهة الانتخابات. وبالتالي فإن تشديد المراقبة والعقوبات يمكن أن يشكل عاملا مهما في إعادة الاعتبار للعملية الانتخابية.

 ما دور الرقمنة في هذه الإصلاحات الانتخابية؟

الرقمنة تعد من أبرز الملامح الجديدة التي جاءت بها الإصلاحات الانتخابية. فقد تم التوجه نحو رقمنة عدد من مراحل العملية الانتخابية، سواء فيما يتعلق بالتسجيل في اللوائح الانتخابية أو إيداع الترشيحات.
هذا التوجه يهدف أساسا إلى تبسيط الإجراءات الإدارية وتسهيل التعامل مع المساطر الانتخابية، إضافة إلى الرفع من فعالية تدبير العمليات المرتبطة بالانتخابات. كما أن الرقمنة يمكن أن تساهم في تقليص بعض الإشكالات المرتبطة بالبيروقراطية أو بطول الإجراءات، وهو ما يجعل العملية الانتخابية أكثر سلاسة ونجاعة.
وفي السياق ذاته، تم العمل أيضا على تبسيط بعض الإجراءات المرتبطة بمشاركة الجالية المغربية المقيمة بالخارج، بما يتيح لمغاربة العالم الانخراط بشكل أكبر في الحياة السياسية الوطنية.

 ما أهمية تحديد الجدول الزمني للانتخابات بشكل مبكر؟

تحديد الجدول الزمني للانتخابات بشكل مبكر يعد جزءا من قواعد اللعبة السياسية. فكلما كان تاريخ الاقتراع معروفا لدى الأحزاب السياسية مسبقا، ساهم ذلك في تنظيم المنافسة الانتخابية بشكل أفضل. كما يسمح هذا الأمر بتقييم الأداء الحكومي والسياسي في إطار جدول زمني واضح، ويعزز شفافية العملية الانتخابية.
ومن الناحية القانونية، فقد عمل المشرع على تقييد السلطة التقديرية المرتبطة بتحديد تاريخ الانتخابات، من خلال التنصيص على ضرورة الإعلان عن تاريخ يوم الاقتراع قبل تسعين يوما على الأقل من موعده، بدل خمسة وأربعين يوما كما كان معمولا به سابقا. وهذا التحول يعد إيجابيا لأنه يوفر وضوحا أكبر للفاعلين السياسيين ويساعد على احترام الآجال الدستورية المرتبطة بتجديد المؤسسة التشريعية.

 هناك نقاش حول اختيار يوم الاقتراع، ما رأيكم في هذا الموضوع؟

النقاش حول تحديد يوم الاقتراع يجب أن يأخذ بعين الاعتبار سيكولوجية المجتمع المغربي وثقافته المرتبطة بأيام الأسبوع. فالمسألة لا تتعلق فقط بقرار إداري، بل بمدى قدرة هذا الاختيار على تشجيع المواطنين على المشاركة في التصويت.
وفي هذا الإطار، يمكن التفكير في تجنب أيام نهاية الأسبوع التي غالبا ما تتزامن مع السفر أو التنقل بين المدن. كما أن هناك مقترحا مهما يتمثل في اعتبار يوم الاقتراع يوم عطلة مؤدى عنها في القطاعين العام والخاص، لأن هذا الإجراء قد يسهم بشكل كبير في رفع نسبة المشاركة الانتخابية، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين يعملون بعيدا عن أماكن تسجيلهم في اللوائح الانتخابية.
وللتذكير، فقد سبق للمشرع المغربي أن اعتمد هذا التوجه سنة 1963 عندما اعتبر يوم انتخاب مجلس النواب يوم عطلة مؤدى عنها، وهو ما يعكس إمكانية إعادة التفكير في هذا الخيار لتشجيع المشاركة السياسية.

 في نظركم، ما الشروط الأساسية لنجاح هذه الإصلاحات الانتخابية؟

يمكن القول إن هذه الإصلاحات تهدف في مجملها إلى تقوية تخليق العملية الانتخابية وتعزيز مصداقيتها، خاصة في ظل سياق سياسي واجتماعي يتسم باتساع ظاهرة العزوف الانتخابي وبروز مزاج شبابي ينتقد أداء النخب السياسية التقليدية.
غير أن نجاح هذه الإصلاحات لن يتوقف فقط على النصوص القانونية، بل سيظل رهينا أساسا بحسن تطبيقها على أرض الواقع، وبقدرة الأحزاب السياسية على تقديم عرض سياسي جاد ومقنع للمواطنين. وهذا العرض ينبغي أن يقوم على ترشيح كفاءات جديدة وطاقات نظيفة قادرة على استعادة ثقة الناخبين في جدوى المشاركة السياسية.
كما أن من الضروري الابتعاد عن منطق الاعتماد على “الأعيان” أو ما يسمى بالكائنات الانتخابية الجاهزة التي تفوز بالمقاعد دون نقاش سياسي حقيقي، لأن هذا النمط من التنافس يساهم في إضعاف الحياة السياسية وتعميق العزوف الانتخابي.
إلى جانب ذلك، فإن إعادة الاعتبار للعملية الانتخابية تتطلب أيضا إطلاق نقاش سياسي جريء ومفتوح خلال الحملات الانتخابية، يضع القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تهم المواطنين في صلب البرامج الانتخابية، مع ضرورة انفتاح الإعلام العمومي على مختلف المكونات السياسية. فكل هذه العناصر مجتمعة يمكن أن تساهم في تنشيط الحياة السياسية وتجديد صورة المنتخب لدى الرأي العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى