أرقام قياسية في إحداث المقاولات بالمغرب.. لكن الإفلاس يلاحق الآلاف

حسين العياشي
يواصل المغرب تسجيل مستويات مرتفعة في إحداث المقاولات، أرقام تبدو للوهلة الأولى كدليل على اقتصاد يتحرك بثقة وعلى روح مبادرة تتوسع داخل المجتمع. غير أن القراءة المتأنية لهذه المعطيات تكشف أن الصورة أكثر تعقيداً مما توحي به العناوين الكبرى، إذ يتجاور ارتفاع عدد المقاولات المحدثة مع تزايد حالات الإفلاس، في مفارقة تطرح تساؤلات حقيقية حول متانة النسيج المقاولاتي الوطني وقدرته على الاستمرار.
تشير أحدث المعطيات الصادرة عن المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية إلى أن سنة 2025 عرفت إحداث ما مجموعه 109.656 مقاولة جديدة عبر مختلف جهات المملكة. ويتوزع هذا الرقم بين 78.622 شركة تم تأسيسها في شكل أشخاص اعتباريين، مقابل 31.034 مقاولة أحدثها أشخاص ذاتيون، وهو ما يعكس استمرار الإقبال على المبادرة المقاولاتية سواء في شكل مشاريع فردية صغيرة أو في إطار شركات منظمة قانونياً.
غير أن هذا الزخم الكمي في خلق المقاولات يفقد جزءاً كبيراً من بريقه عندما يوضع في سياقه الكامل. فالسنة نفسها شهدت إعلان أكثر من 15 ألف شركة إفلاسها، وهو رقم يكشف هشاشة جزء مهم من النسيج المقاولاتي الوطني، ويبرز أن الطريق بين تأسيس المقاولة وتحقيق الاستقرار المالي ما يزال مليئاً بالعقبات والتحديات.
ولا تتوقف المؤشرات عند هذا الحد، إذ ترجح تقديرات دولية أن موجة الإفلاسات لم تبلغ ذروتها بعد. ففي تقرير صادر عن Allianz Trade بعنوان”Global Insolvency Outlook 2026-2027″، يُتوقع أن يرتفع عدد حالات إفلاس الشركات في المغرب خلال سنة 2025 ليبلغ نحو 16.800 مقاولة، بزيادة تقارب 7 في المائة مقارنة مع السنة السابقة، في ظل الضغوط المالية المتزايدة التي تواجهها الشركات، ولا سيما المقاولات الصغيرة والصغيرة جداً.
ويذهب التقرير إلى أبعد من ذلك، إذ يشير إلى أن مستويات الإفلاس في المغرب ما تزال أعلى بكثير من تلك المسجلة قبل جائحة COVID‑19، بنسبة تصل إلى 109 في المائة. ورغم توقع تسجيل تراجع تدريجي في وتيرة الإفلاسات خلال السنوات المقبلة، بنحو 1 في المائة سنة 2026 و6 في المائة سنة 2027، فإن هذه الانخفاضات المرتقبة لن تكون كافية لإعادة الوضع إلى معدلاته التاريخية السابقة.
وعند تفكيك خريطة القطاعات التي تستقطب أكبر عدد من المقاولات الجديدة، يظهر أن الأنشطة التجارية ما تزال الوجهة الأولى لغالبية المبادرين. فالتجارة تستحوذ على حوالي 35,7 في المائة من مجموع الشركات المحدثة، وهو ما يعكس استمرار توجه عدد كبير من المستثمرين الصغار نحو أنشطة تقليدية لا تتطلب رأسمال كبيراً أو تأهيلاً تقنياً معقداً، لكنها في المقابل تبقى من أكثر القطاعات عرضة للتقلبات الاقتصادية والمنافسة الشرسة.
ويأتي قطاع البناء والأنشطة العقارية في المرتبة الثانية بنسبة 19,65 في المائة، مستفيداً من الدينامية العمرانية التي تعرفها عدة مدن مغربية، بينما يحتل قطاع الخدمات المتنوعة المرتبة الثالثة بنسبة 17,63 في المائة. كما يستقطب قطاع النقل نحو 7,79 في المائة من المقاولات الجديدة، يليه القطاع الصناعي بنسبة 7,01 في المائة، في حين تمثل أنشطة الفنادق والمطاعم حوالي 5,71 في المائة من مجموع الشركات المحدثة.
في المقابل، يظل حضور القطاعات المرتبطة بالاقتصاد المعرفي والتكنولوجي محدوداً نسبياً داخل خريطة المبادرة المقاولاتية. فأنشطة تكنولوجيا المعلومات والاتصال لا تتجاوز 2,89 في المائة من مجموع المقاولات الجديدة، متقدمة بقليل على الأنشطة المالية التي تبلغ 1,86 في المائة، بينما تأتي الفلاحة والصيد البحري في مؤخرة الترتيب بنسبة 1,78 في المائة. ويعكس هذا التوزيع استمرار هيمنة الأنشطة التقليدية ذات القيمة المضافة المحدودة، مقابل حضور ضعيف للقطاعات القائمة على الابتكار والتكنولوجيا.
أما على المستوى الترابي، فتؤكد الأرقام استمرار تمركز النشاط الاقتصادي داخل الأقطاب الحضرية الكبرى. فقد استحوذت جهة الدار البيضاء–سطات وحدها على 33.959 شركة محدثة خلال سنة 2025، بفارق كبير عن باقي الجهات. وجاءت جهة طنجة–تطوان–الحسيمة في المرتبة الثانية بـ15.286 مقاولة، تليها جهة الرباط–سلا–القنيطرة بـ13.983 شركة، ثم جهة مراكش–آسفي التي سجلت 12.342 مقاولة جديدة، بينما توزعت باقي المقاولات على جهات المملكة بأعداد أقل بكثير.
ومن حيث الأشكال القانونية المعتمدة، يظل نموذج شركة المسؤولية المحدودة ذات الشريك الوحيد الخيار الأكثر انتشاراً بين المستثمرين، إذ يمثل 64,8 في المائة من الشركات المحدثة، يليه نموذج شركة المسؤولية المحدودة بنسبة 34,4 في المائة. ويعكس هذا المعطى ميلاً واضحاً لدى عدد كبير من المقاولين إلى إطلاق مشاريع فردية تحت غطاء قانوني يوفر حماية محدودة للممتلكات الشخصية ويقلص حجم المخاطر المالية.
غير أن المفارقة الأكثر لفتاً للانتباه تكمن في أن ارتفاع عدد المقاولات المحدثة لا يعني بالضرورة قوة النسيج المقاولاتي أو متانته. فعندما يقابَل هذا الزخم في الإحداث بآلاف حالات الإفلاس المسجلة سنوياً، وبعدد غير قليل من المقاولات التي تعيش تحت تهديد الإفلاس، يبرز سؤال أعمق حول طبيعة هذه الدينامية الاقتصادية: هل نحن أمام اقتصاد يخلق المقاولات بوتيرة مرتفعة، أم أمام سوق تتسارع فيه دورة ولادة المشاريع واختفائها داخل بيئة اقتصادية هشة؟
في ظل صعوبات الولوج إلى التمويل، وارتفاع تكاليف التشغيل، وضعف آليات المواكبة والدعم، فضلاً عن المنافسة غير المتكافئة في بعض القطاعات، تجد آلاف المقاولات نفسها عاجزة عن الصمود بعد سنوات قليلة فقط من تأسيسها. لذلك يبدو التحدي الحقيقي اليوم أبعد من مجرد تشجيع إحداث المقاولات ورفع أعدادها؛ إنه تحدي بناء منظومة اقتصادية قادرة على ضمان استمراريتها، وتحويلها من مبادرات قصيرة العمر إلى فاعلين حقيقيين في خلق الثروة وتوفير فرص الشغل.





