المحروقات تلتهب مجدداً.. التامني تتهم الحكومة بالغياب عن معركة الأسعار

حسين العياشي
سجّلت الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات، التي قاربت درهمين إضافيين في لتر الغازوال، موجة جديدة من الجدل في المغرب، بعدما انعكست سريعاً على كلفة النقل والإنتاج وأسعار عدد من المواد الأساسية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف بشأن تداعيات هذا الارتفاع على القدرة الشرائية للمواطنين، وسط سياق اقتصادي يتسم أصلاً بضغط متواصل على ميزانيات الأسر المغربية.
فالزيادة الجديدة لم تكن مجرد تعديل تقني في أسعار الوقود، بل تحولت إلى موضوع نقاش سياسي واقتصادي واسع، بالنظر إلى أثرها المباشر في سلاسل الإنتاج والتوزيع، وما يمكن أن تجرّه من ارتفاعات متتالية في أسعار السلع والخدمات المرتبطة بكلفة النقل والطاقة. وفي خضم هذا الجدل، دخلت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاطمة الزهراء التامني، على خط النقاش، معتبرة أن ما يجري في سوق المحروقات يعكس مرة أخرى اختلالاً واضحاً في طريقة تدبير هذا القطاع الحيوي.
وفي تصريح خصت به “إعلام تيفي”، أكّدث فاطمة الزهراء التامني أن الارتفاع الأخير في أسعار الغازوال يشكل عبئاً إضافياً يثقل كاهل الأسر المغربية، ويزيد من حدة الضغوط الاجتماعية التي تواجهها في ظل موجة غلاء متواصلة، مؤكدة أن المقلق في هذه التطورات لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار في حد ذاته، بل باستمرار ما تصفه بغياب تدخل حكومي فعلي قادر على حماية المستهلكين وضبط توازن السوق.
كما تشير البرلمانية إلى أن سوق المحروقات يعيش منذ قرار تحرير الأسعار سنة 2015 تحولات عميقة جعلته عملياً خاضعاً لمنطق شركات التوزيع، في ظل محدودية آليات الضبط وضعف مستويات الشفافية المرتبطة بكيفية تشكل الأسعار. وهو وضع، في نظرها، يطرح أسئلة جوهرية حول قدرة المنظومة التنظيمية الحالية على تحقيق التوازن بين مصالح الفاعلين الاقتصاديين ومتطلبات حماية المستهلك.
هذه التطورات، تعيد إلى الواجهة النقاش الذي سبق أن أثاره مجلس المنافسة في تقاريره حول بنية سوق المحروقات، حيث سجل وجود اختلالات في هيكلة السوق وهوامش ربح مهمة لدى عدد من الفاعلين الأساسيين في القطاع. وقد اعتبر متابعون آنذاك أن تلك الخلاصات تشكل مؤشراً واضحاً على الحاجة إلى تدخل مؤسساتي أكثر فاعلية يعيد التوازن إلى هذا المجال الحيوي ويحد من انعكاسات التقلبات السعرية على المستهلك النهائي.
غير أن النقاش حول أسعار المحروقات، وفق القراءة التي تطرحها التامني، لا يمكن حصره في مسألة التسعير وحدها، بل يرتبط أيضاً بالاختيارات الاستراتيجية التي اعتمدها المغرب في مجال الطاقة خلال السنوات الأخيرة. ففي ظل غياب مصفاة وطنية لتكرير النفط، بعد توقف نشاط شركة سامير، فقدت الدولة إحدى الأدوات الأساسية التي كانت تمكنها من التأثير في السوق والتخفيف من حدة التقلبات المرتبطة بالأسعار الدولية.
ويطرح استمرار تعطيل هذه المنشأة الاستراتيجية، بحسب التامني، تساؤلات جدية حول كلفة هذا الوضع على الأمن الطاقي للبلاد وعلى استقرار الأسعار داخل السوق الوطنية، خصوصاً وأن إعادة تشغيل المصفاة يمكن أن تسهم في تعزيز السيادة الطاقية للمغرب وتقليص كلفة الاستيراد والتخزين، فضلاً عن إحداث نوع من التوازن داخل سوق المحروقات الذي يعتمد اليوم بشكل شبه كامل على استيراد المشتقات النفطية.
في خضم هذا الجدل المتصاعد، تدعو النائبة البرلمانية إلى اتخاذ إجراءات واضحة لمواجهة موجة الغلاء المتنامية، من بينها التفكير في تسقيف أسعار المحروقات أو تحديد هوامش الربح بالنسبة لشركات التوزيع، إلى جانب تقوية آليات المراقبة وتعزيز الشفافية داخل هذا القطاع الحيوي الذي يظل تأثيره واسعاً على مختلف مناحي الاقتصاد الوطني.
كما تؤكد ضرورة فتح نقاش وطني جدي حول مستقبل مصفاة سامير، باعتبارها منشأة استراتيجية يمكن أن تلعب دوراً محورياً في تعزيز الأمن الطاقي للمملكة وإعادة التوازن إلى سوق المحروقات، خاصة في ظل سياق دولي يتسم باضطرابات متكررة في أسواق الطاقة وتقلبات يصعب التنبؤ بها.
وبين ارتفاع الأسعار واستمرار الجدل حول تدبير هذا الملف، يتعزز لدى كثير من المتابعين الانطباع بأن قضية المحروقات لم تعد مجرد مسألة مرتبطة بسوق الطاقة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة السياسات العمومية على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاقتصاد الوطني وضمان العيش الكريم للمواطنين.





