هل يمكن للغاز الإفريقي أن يعزز أمن الطاقة الأوروبي؟ (حوار)

فاطمة الزهراء ايت ناصر

في ظل تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية وتزايد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة نحو أوروبا، يبرز الغاز الإفريقي كأحد البدائل المطروحة لتخفيف الضغط على الأسواق الأوروبية، غير أن فعاليته تظل محدودة وفق عدد من الخبراء.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي  أمين سامي، في حديثه لـ”إعلام تيفي“، أن الغاز الإفريقي يمكن أن يخفف الصدمة الأوروبية، لكنه لا يستطيع في المدى القصير أن يعوض بالكامل أي انقطاع كبير ناتج عن اضطراب مضيق هرمز.

والفهم كل هذا نقدم لهم هذا الحوار

إلى أي حد يمكن للغاز الإفريقي أن يعوض أي اضطراب في إمدادات الطاقة نحو أوروبا؟

الغاز الإفريقي يمكن أن يلعب دور مخفف للصدمات أكثر مما يمكن أن يكون بديلا كاملا، بمعنى أنه قادر على امتصاص جزء من الاضطراب الذي قد يصيب السوق الأوروبية في حال حدوث أزمات في مناطق أخرى، خصوصا في الشرق الأوسط، لكنه لا يستطيع سد أي فجوة كبيرة بشكل فوري أو كامل.

السبب الأساسي، هو أن جزءا مهما من الغاز المرن في السوق العالمية يأتي من الغاز الطبيعي المسال في الخليج، وخاصة من دول مثل قطر والإمارات، وأن نسبة معتبرة من تجارة الغاز تمر عبر مضيق هرمز.

وبالتالي، أي اضطراب في هذا المسار لا يخلق مجرد نقص بسيط، بل فجوة كبيرة ومفاجئة في الإمدادات العالمية.

في المقابل، إفريقيا لا تزال في مرحلة تطوير قدراتها الإنتاجية واللوجستية، ما يجعل مساهمتها تدريجية وليست فورية.

فهي تستطيع دعم السوق الأوروبية عبر شحنات الغاز الطبيعي المسال من غرب وشرق القارة، أو عبر خطوط الأنابيب من شمال إفريقيا، لكن هذا الدعم يبقى جزئياً ومحدود السقف، ويحتاج إلى وقت حتى يتوسع.

ما أبرز التحديات الهيكلية التي تعيق تحول إفريقيا إلى مزود رئيسي لأوروبا؟

التحدي لا يتعلق بوجود الغاز تحت الأرض، بل بكيفية نقله وتحويله إلى طاقة قابلة للتصدير بشكل فعال.

وهنا تظهر ثلاثة اختناقات رئيسية؛ أولا، قدرات الأنابيب الموجهة نحو أوروبا تظل متركزة في شمال إفريقيا، مثل الجزائر وليبيا، بينما بقية مناطق الإنتاج في غرب وشرق القارة بعيدة عن هذه المسارات.

ثانياً، البنية المرتبطة بالغاز الطبيعي المسال (LNG) تعاني من محدودية واضحة، إذ إن عدد محطات التسييل لا يسمح بوجود فائض كبير يمكن توجيهه فوراً نحو السوق الأوروبية، إضافة إلى أن جزءاً كبيراً من الإنتاج مرتبط بعقود طويلة الأمد، ما يقلل من مرونة إعادة التوجيه السريع.

ثالثاً، هناك ضعف بنيوي في الربط القاري الإفريقي نفسه، حيث لا توجد شبكة متكاملة تنقل الغاز من مناطق الإنتاج إلى الموانئ والأسواق بكفاءة.

بمعنى أن إفريقيا تمتلك الموارد، لكنها لا تمتلك بعد الجهاز العصبي الذي يربط هذه الموارد بشكل فعال.

لهذا السبب، أرى أن أوروبا يمكن أن تستفيد من إفريقيا كمصدر دعم إضافي، لكنها لا تستطيع الاعتماد عليها كبديل سريع أو شامل دون تطوير بنية تحتية عابرة للحدود تتطلب سنوات واستثمارات ضخمة.

ما حجم الاستثمارات المطلوبة لتحقيق تحول حقيقي في قطاع الغاز الإفريقي؟

نحن لا نتحدث عن تحسينات تقنية محدودة، بل عن إعادة هيكلة شاملة لقطاع الغاز في إفريقيا، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.

ويُعد مشروع أنبوب نيجيريا–المغرب مثالاً واضحاً على هذا النوع من التحولات، حيث تُقدَّر كلفته بنحو 25 مليار دولار، وهو ليس مجرد مشروع نقل غاز، بل مشروع استراتيجي يعيد رسم خريطة الطاقة بين إفريقيا وأوروبا.

هذا النوع من المشاريع يعكس انتقالا من مرحلة تصدير الموارد الخام إلى مرحلة بناء شبكات إقليمية ودولية للطاقة، وهو ما يحتاج إلى تمويل طويل الأمد، وشراكات دولية، واستقرار سياسي واقتصادي في الدول المنتجة.

هل تمنح التوترات الجيوسياسية الحالية أفضلية للغاز الإفريقي؟

نعم، لكن هذه الأفضلية ليست مطلقة بل نسبية. فالتوترات المتزايدة في منطقة الخليج، وما رافقها من ارتفاع في المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية، خصوصاً مضيق هرمز، أدت إلى زيادة كبيرة في تكاليف النقل والتأمين.

وتشير معطيات السوق إلى ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بشكل كبير، إضافة إلى تزايد تكلفة الشحن، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية.

في هذا السياق، يكتسب الغاز الإفريقي ميزة مهمة، لأنه لا يعتمد على الممرات عالية المخاطر نفسها، كما أن مساراته نحو أوروبا، سواء عبر البحر المتوسط أو الأطلسي، تُعد أقصر وأكثر أماناً نسبياً. وهذا لا يجعله بالضرورة الأرخص، لكنه يجعله أقل مخاطرة وأكثر استقراراً من ناحية الإمداد.

ما الإشكال الداخلي الذي تواجهه الدول الإفريقية المنتجة للغاز؟

هنا يبرز تحدٍ لا يقل أهمية عن التحديات الخارجية، فكل زيادة في صادرات الغاز نحو أوروبا تعني، بشكل مباشر، تقليص الكميات المتاحة للاستهلاك المحلي.

هذا الوضع قد يؤدي إلى اختلالات داخلية، مثل الضغط على إنتاج الكهرباء، أو ارتفاع أسعار الطاقة محلياً، أو حتى تأثير ذلك على الصناعات المرتبطة بالغاز مثل الأسمدة والبتروكيماويات.

لذلك، أرى أن الدول الإفريقية تحتاج إلى نموذج توازن دقيق، يقوم على تخصيص جزء من الإنتاج للتصدير بعقود طويلة الأمد تضمن تدفقات مالية مستقرة، وجزء آخر موجه للسوق المحلية لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

كيف يمكن فهم مستقبل اعتماد أوروبا على الغاز الإفريقي؟

هذا الاعتماد يحمل طابعاً مزدوجاً، فهو من جهة استجابة ظرفية للأزمات الحالية، خاصة مع تراجع الاعتماد على روسيا وارتفاع حساسية السوق لأي اضطراب في الشرق الأوسط.

لكن في الوقت نفسه، هو جزء من تحول استراتيجي أوسع داخل الاتحاد الأوروبي يقوم على تنويع مصادر الطاقة وتقليل المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمصدر واحد.

غير أن هذا التحول لن يصل إلى مرحلة الاعتماد الكامل على إفريقيا، لأن أوروبا نفسها تسير في اتجاه تقليص الطلب على الغاز عبر الطاقات المتجددة، والهيدروجين، وتحسين الكفاءة الطاقية.

بالتالي، سيبقى الغاز الإفريقي جزءا من مرحلة انتقالية، يلعب دور الموازن وليس المهيمن في سوق الطاقة الأوروبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى