عيد الأضحى في المغرب 2026.. طمأنة رسمية وتدابير قاصرة لحماية جيوب المواطن

بشرى عطوشي

تحليل _ يعود الجدل حول عيد الأضحى في المغرب هذا العام ليحتل واجهة النقاش العمومي، لكن بطابع مختلف عمّا اعتاده المغاربة. فبعد سنة استثنائية طُرحت فيها مسألة تقليص أو تعليق شعيرة الذبح بسبب تداعيات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج، وجد المواطن نفسه هذه السنة أمام خطاب رسمي مطمئن، يقابله واقع اقتصادي يثير الكثير من التساؤلات.

الحكومة حسمت مبكرًا في الموضوع، مؤكدة أن عيد الأضحى سيمر في ظروف عادية، وأن الأضاحي ستكون متوفرة، في إشارة واضحة إلى رغبة الدولة في إعادة التوازن للحياة الاجتماعية والدينية بعد فترة من الاضطراب. هذا الموقف يعكس، من جهة، تحسنًا نسبيًا في المؤشرات الفلاحية، ومن جهة أخرى، حرصًا على الحفاظ على الطابع الرمزي لهذه المناسبة داخل المجتمع المغربي.

غير أن هذا الحسم الرسمي لم يكن كافيًا لإخماد النقاش. فشريحة واسعة من المواطنين لا تنظر إلى المسألة من زاوية “توفر الأضحية” بقدر ما تقيسها بميزان القدرة الشرائية. فارتفاع أسعار اللحوم خلال الأشهر الماضية، واستمرار الضغط على دخل الأسر، جعلا السؤال الحقيقي المطروح ليس: “هل سيقام العيد؟” بل: “هل يستطيع المواطن تحمّل كلفته؟”.

وفي خضم هذا الواقع، بدأت تتشكل ظاهرة لافتة هذا العام، تتمثل في توجه عدد متزايد من المواطنين إلى تجاوز الوسطاء والسماسرة (الشناقة)، والتوجه مباشرة نحو الضيعات والفلاحين لاقتناء الأضاحي. هذا السلوك الاستهلاكي الجديد لا يعكس فقط بحثًا عن السعر الأفضل، بل يكشف أيضًا عن فقدان الثقة في سلاسل التوزيع التقليدية التي يُحمّلها كثيرون مسؤولية تضخم الأسعار.

وبحسب تقديرات متداولة بين مهنيين وتقنيي تربية المواشي، فإن الشراء المباشر من الفلاح يمكن أن يُخفض سعر الأضحية بما قد يصل إلى 1500 درهم في بعض الحالات، خاصة إذا تم الاقتناء قبل أسابيع من موعد العيد. ويرتبط هذا الفارق الزمني بعامل حاسم، وهو أن تكلفة الشهر الأخير قبل عيد الأضحى تُعد من الأكثر عبئًا على الفلاح، بسبب ارتفاع مصاريف الأعلاف والعناية، ما يدفعه إلى رفع السعر لتعويض تلك التكاليف.

هذا المعطى يفسر جزئيًا الفجوة بين سعر الضيعة وسعر السوق، كما يسلط الضوء على خلل بنيوي في مسار تسويق الأضاحي، حيث تتراكم الهوامش الربحية عبر حلقات متعددة قبل أن تصل إلى المستهلك النهائي.

في المقابل، يعبّر المهنيون ومربو الماشية عن تخوفهم من أي توجه نحو تقليص الطلب أو كسر قنوات التوزيع التقليدية بشكل مفاجئ، معتبرين أن عيد الأضحى يشكل ركيزة اقتصادية أساسية لآلاف الأسر المرتبطة بهذا القطاع. فإلغاء أو حتى إضعاف هذه المناسبة لا يعني فقط تغييرًا في طقس ديني، بل قد يؤدي إلى اختلال في دورة اقتصادية كاملة تمتد من المربين إلى الأسواق المحلية.

وسط هذا التوازن الدقيق، يتشكل جوهر الجدل الحالي: صراع غير مباشر بين منطقين. منطق الدولة الذي يسعى إلى تثبيت “الوضع الطبيعي” واستعادة الثقة، ومنطق المواطن الذي يربط هذا “الطبيعي” بواقعه اليومي وإمكانياته المادية.

هكذا، يتحول عيد الأضحى هذا العام من مجرد مناسبة دينية إلى مؤشر اجتماعي واقتصادي دقيق، يكشف عمق التحولات التي يعيشها المجتمع المغربي. فنجاح العيد لن يُقاس بمروره دون قرارات استثنائية فقط، بل بمدى قدرة السوق على تحقيق توازن حقيقي بين العرض والأسعار، وبين الطقوس والتكاليف.

في النهاية، يبقى الحكم النهائي بيد المواطن، الذي سيحدد عبر سلوكه الاستهلاكي ما إذا كان هذا العيد سيعود فعلاً إلى “طبيعته”، أم أنه سيدخل مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الشعيرة والقدرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى