الأزرق: طموح المغرب يتجاوز التجميع نحو سيارات محلية خالصة

حسين العياشي

فتح النقاش الذي احتضنه الرباط حول صناعة السيارات بالمغرب أفقاً أوسع لقراءة التحولات التي يعرفها القطاع، من خلال التركيز هذه المرة على البعد الدولي للرهانات الصناعية، وعلى الحاجة إلى تسريع الانتقال من مرحلة الاستقطاب إلى مرحلة الإنتاج والتصميم.

وفي هذا السياق، اعتبر بدر زاهر الأزرق، أستاذ باحث في قانون الأعمال والاقتصاد بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن الملتقى الوطني لم يعد مجرد فضاء داخلي لتبادل الآراء، بل تحول إلى منصة ذات امتداد دولي، بالنظر إلى مشاركة كفاءات مغربية تشتغل في قلب الصناعة العالمية، خاصة بألمانيا، التي تعد واحدة من أبرز النماذج الرائدة في هذا المجال.

وأوضح الأزرق في تصريحع لـ“إعلام تيفي”، أن هذا الانفتاح لا يندرج فقط في إطار تبادل التجارب، بل يعكس وعياً متزايداً بضرورة الاستفادة من الخبرات المتراكمة بالخارج، باعتبارها رافعة لتسريع وتيرة التحول الصناعي بالمغرب. فالتجربة الألمانية، بما راكمته من دقة صناعية وتكامل في سلاسل الإنتاج، يمكن أن تشكل مصدر إلهام لإعادة صياغة الطموح المغربي في قطاع السيارات.

ورغم النجاح الذي حققه المغرب في استقطاب كبار المصنعين الدوليين، وتوطين جزء مهم من سلاسل الإنتاج، سواء المرتبطة بالتكنولوجيا الفرنسية أو الصينية، فإن هذا النموذج، بحسب المتحدث، يظل مرحلياً ولا يعكس السقف الحقيقي للطموح الوطني. فبلوغ نسب إدماج مرتفعة، وإن كان مؤشراً إيجابياً، لا يعني بالضرورة تحقيق السيادة الصناعية، بقدر ما يطرح الحاجة إلى الانتقال نحو إنتاج سيارات مغربية خالصة، قادرة على المنافسة في الأسواق الدولية.

هذا التحول، كما يؤكد الأزرق، لا يمكن أن يتحقق دون توفر شروط بنيوية أساسية، في مقدمتها تحقيق قدر أكبر من السيادة الطاقية، باعتبارها ركيزة لأي صناعة متقدمة، إلى جانب الاستثمار في الرأسمال البشري، ليس فقط على مستوى التقنيين، بل أساساً في تكوين مهندسين قادرين على تصميم المحركات وتطوير السيارات، خاصة في ظل التحول العالمي نحو المركبات الكهربائية والتكنولوجيا الذكية.

كما شدد على أهمية تعبئة الكفاءات المغربية بالخارج، التي يمكن أن تلعب دور “المسرّع” في هذا الانتقال، من خلال نقل المعرفة والخبرة، وربط جسور التعاون بين المغرب ومراكز الابتكار العالمية. فهذه الكفاءات، بما راكمته من تجربة داخل منظومات صناعية متقدمة، تمثل رصيداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الاستثمارات المادية.

ولم يخف المتحدث أن أحد التحديات الكبرى التي لا تزال تعيق هذا المسار، يتمثل في ضعف الربط بين الجامعة والمحيط الصناعي، وهو ما يستدعي، بحسبه، بناء شراكات فعالة بين البحث العلمي والقطاع الإنتاجي، بما يضمن تحويل المعرفة الأكاديمية إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.

ويمتد هذا الطموح، وفق الرؤية المطروحة، إلى ما هو أبعد من قطاع السيارات، ليشمل قطاعات صناعية أخرى ذات طابع تكنولوجي متقدم، كالصناعة الملاحية والفضائية وصناعة الطائرات، في إطار تصور يروم استنساخ نموذج النجاح الحالي وتوسيعه ليشمل مجالات صناعية استراتيجية.

وبين طموح امتلاك تكنولوجيا وطنية خالصة، والسعي إلى بناء منظومة صناعية متكاملة، يبرز هذا النقاش كإشارة واضحة إلى أن المغرب لم يعد يكتفي بدور القاعدة الصناعية، بل يتجه تدريجياً نحو ترسيخ موقعه كفاعل منتج للمعرفة والتكنولوجيا، في سباق عالمي لم يعد يعترف إلا بالقدرة على الابتكار والتكيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى