خلف كواليس سوق الأضاحي بالمغرب: أرقام الكلفة الحقيقية تفسّر ارتفاع الأسعار

بشرى عطوشي
دخل النقاش حول عيد الأضحى وتوفر الأضاحي والأسعار الممكنة والمحتملة للبيع، بالأسواق والضيعات وغير ذلك، مرحلة حاسمة، وانزاح إلى حد تبادل الشتائم بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي وما نسميه “الفراقشية” و “الشناقة.
فمع اقتراب عيد الأضحى، يعود الجدل نفسه إلى الواجهة ، لماذا ترتفع أسعار الأضاحي بهذا الشكل؟ بين اتهامات المستهلكين بوجود مضاربات واحتكار، وتمسك مربي الماشية بأن الأسعار تعكس فقط كلفة الإنتاج، تبرز الحاجة إلى قراءة دقيقة للأرقام لفهم ما يجري فعلياً داخل الضيعات وخلف مسارات التوزيع.
الكسابة يقولون..
المعطيات الميدانية تشير إلى أن تربية خروف موجه لعيد الأضحى لم تعد عملية بسيطة أو منخفضة الكلفة، بل أصبحت استثماراً محفوفاً بالمخاطر، تتحكم فيه أساساً أسعار الأعلاف التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع توالي فترات الجفاف.
وحسب تباين عدد من المعطيات المتوفرة، فالأعلاف تشكل العمود الفقري لكلفة الإنتاج، إذ تمثل ما يصل إلى 70 في المائة من التكلفة الإجمالية. ويستهلك الخروف الواحد خلال فترة التسمين، التي تمتد عادة بين أربعة وستة أشهر، ما بين 250 و350 كيلوغراماً من العلف، تتنوع بين الشعير والذرة والأعلاف المركبة. وباحتساب متوسط الأسعار الحالية، تتراوح كلفة التغذية وحدها ما بين 800 و1400 درهم للرأس، وقد تتجاوز هذا السقف في بعض المناطق.
لكن هذه ليست سوى البداية، فالمربي الذي لا يعتمد على إنتاجه الذاتي يضطر إلى اقتناء الخروف في سن مبكرة، بأسعار تتراوح بين 800 و1500 درهم، قبل أن يدخل في مرحلة التسمين. خلال هذه الفترة، تضاف مصاريف التلقيح والعلاجات البيطرية، إلى جانب تكاليف الماء والكهرباء واليد العاملة، لترتفع الكلفة الإجمالية لهذه المرحلة إلى ما بين 1000 و2000 درهم.
أعباء غير مرئية
إلى جانب التكاليف المباشرة، يتحمل المربي أعباء غير مرئية غالباً، مثل مخاطر النفوق أو المرض وتقلبات السوق، فضلاً عن ضغط الزمن مع اقتراب العيد. هذه العوامل تُقدّر كلفتها الإضافية بما بين 200 و400 درهم لكل خروف.
وعند اقتراب موعد البيع، تبدأ مرحلة جديدة من التكاليف، مرتبطة بالنقل نحو الأسواق الحضرية ومصاريف العرض داخلها، إضافة إلى تدخل الوسطاء الذين يرفعون السعر النهائي. هذه العملية تضيف ما بين 300 و700 درهم أخرى على الأقل.
بجمع هذه العناصر، تتراوح الكلفة الحقيقية لتربية خروف واحد بين 2300 و4500 درهم، قبل احتساب هامش الربح. هذا الأخير، الذي يصفه المربون بالمحدود مقارنة بحجم المخاطر، يتراوح غالباً بين 300 و1000 درهم، ما يفسر وصول الأسعار النهائية في الأسواق إلى مستويات تتراوح بين 4000 و12000 درهم، حسب الجودة والسلالة والطلب.
تعدد الوسطاء
غير أن هذه الأرقام، رغم وضوحها، لا تنهي الجدل. فجزء من المستهلكين يرون أن تعدد الوسطاء وغياب تنظيم صارم للسوق يساهمان في تضخيم الأسعار بشكل غير مبرر. في المقابل، بدأ توجه متزايد نحو الشراء المباشر من الضيعات، في محاولة لتقليص الفارق السعري، حيث يمكن أن ينخفض ثمن الأضحية بمئات الدراهم، بل وقد يصل الفارق إلى نحو 1500 درهم في بعض الحالات، خصوصاً عند الشراء المبكر قبل ذروة الطلب.
إجمالا ، تكشف الأرقام أن أزمة أسعار الأضاحي في المغرب ليست نتيجة عامل واحد، بل هي حصيلة تفاعل معقد بين كلفة الإنتاج، واختلالات السوق، وسلوك المستهلك. وبين هذا وذاك، يبقى الخروف في قلب معادلة اقتصادية واجتماعية تتجدد كل عام، دون أن تجد طريقها بعد إلى توازن حقيقي يرضي جميع الأطراف.





