بين تأويل القانون وإنصاف اللعبة.. هل تُعيد “الطاس” رسم حدود العدالة الكروية؟

حسين العياشي
فجّر نشر حيثيات قرار الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم نقاشاً قانونياً حاداً يتجاوز حدود واقعة رياضية عابرة، ليضع مسألة تأويل النصوص في قلب الجدل: هل يُفهم القانون بحرفيته الصارمة، أم بروحه التي تراعي سياق الفعل وتداعياته؟
بهذا السؤال تحديداً أعادت لجنة الاستئناف صياغة النزاع، حين اختارت الانتصار لقراءة حرفية للمادة 82 من لوائح كأس إفريقيا للأمم، معتبرة أن المخالفة تكتمل بمجرد مغادرة أرضية الميدان دون إذن، دون حاجة لإثبات نية الانسحاب النهائي أو مدته. من هذا المنطلق، لم تعد القضية مرتبطة بتطورات المباراة أو نهايتها، بل بلحظة قانونية دقيقة جرى تثبيتها كواقعة مكتملة الأركان لا يمكن التراجع عنها.
غير أن هذه المقاربة، رغم اتساقها الظاهري مع النص، تفتح الباب أمام إشكال أعمق يتعلق بحدود التفسير القانوني في المجال الرياضي. فالاكتفاء بالفعل المادي، بمعزل عن سياقه الزمني أو مقصده، يحوّل القاعدة القانونية إلى أداة صارمة قد تتجاهل الطبيعة الدينامية للمباريات، حيث تتداخل الانفعالات والقرارات اللحظية مع سير اللعب.
وفي هذا السياق، يبرز الخلاف الجوهري بين لجنتين داخل نفس المنظومة: الأولى ربطت المخالفة بفكرة “الانسحاب النهائي”، معتبرة أن العودة إلى أرضية الميدان تُفرغ الفعل من خطورته القانونية، بينما ذهبت لجنة الاستئناف في اتجاه معاكس تماماً، حين رفضت إدخال أي شرط غير منصوص عليه صراحة، مؤكدة أن النص لا يحتمل هذا التأويل التوسعي.
هذا التباين لا يعكس فقط اختلافاً في التقدير، بل يكشف عن مدرستين في قراءة القانون الرياضي: مدرسة شكلية تُقدّس النص وتغلق باب الاجتهاد خارجه، وأخرى وظيفية تحاول ربط القاعدة بسياقها وغايتها. وبين هذين المنهجين، يتحدد مصير قرارات قد تغيّر نتائج بطولات بأكملها.
الأكثر إثارة في تعليل القرار هو الفصل الواضح بين سلطة الحكم داخل الملعب وسلطة الهيئات التأديبية خارجه. فاستئناف المباراة، وفق هذا المنطق، لا يعد حكماً نهائياً على سلامة السلوك، بل مجرد تدبير آني للحفاظ على سير اللقاء، في حين يبقى التقييم القانوني مفتوحاً بعد صافرة النهاية. هذا التفريق يعزز من استقلالية المسطرة التأديبية، لكنه في الآن ذاته يطرح تساؤلات حول ازدواجية التقدير بين ما يحسم في الميدان وما يُعاد النظر فيه لاحقاً.
كما أن رفض اعتبار استكمال المباراة تنازلاً ضمنياً عن الحق في الطعن يندرج ضمن نفس الفلسفة، التي تفصل بين منطق المنافسة ومنطق التقاضي، وتؤكد أن الخضوع لسلطة الحكم لا يعني القبول النهائي بكل تبعات الواقعة.
هكذا، لا يبدو أن القرار حسم الجدل بقدر ما أعاد إنتاجه بصيغة أكثر تعقيداً، واضعاً المحكمة الرياضية الدولية أمام اختبار دقيق: هل تكرّس القراءة الحرفية الصارمة للنصوص، أم تفتح الباب أمام تأويل أكثر مرونة يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الفعل وسياقه؟
في هذا المستوى، لم تعد القضية مجرد نزاع بين منتخبين، بل تحولت إلى سابقة قانونية محتملة قد تعيد رسم حدود السلطة التقديرية في كرة القدم الإفريقية، وتحدد إلى أي حد يمكن للنص أن يكون حاكماً مطلقاً.. أو مجرد إطار قابل للتأويل.





