هل تشكل مشروبات الطاقة خطرا على المراهقين وهل تكفي القوانين لحمايتهم؟ (ربورتاج)

فاطمة الزهراء ايت ناصر
بمجرد أن تدخل أي بقالة أو متجر صغير، يلفت انتباهك حضور واضح للمراهقين والشباب وهم يقبلون بكثافة على شراء مشروبات الطاقة.
علب ملونة وأسماء جذابة تُخفي وراءها جرعات مرتفعة من الكافيين ومواد منبهة قد لا يدرك الكثير منهم تأثيرها على الصح، هذا الإقبال المتزايد يثير تساؤلات حول أسباب انتشاره بين القاصرين، خاصة في ظل استعماله المتكرر كوسيلة للبقاء مستيقظين أثناء الدراسة أو لتعويض التعب، ما يفتح النقاش حول ضرورة تشديد المراقبة والتوعية بمخاطر هذه المنتجات.

بقال بمدينة تمارة، بالقرب من إحدى الثانويات، يؤكد لـ”إعلام تيفي” أن الفئة الأكثر إقبالا على مشروبات الطاقة هي فئة المراهقين، خصوصا التلاميذ.
ويضيف أن محله يشهد حركة متكررة لهؤلاء الشباب، خاصة خلال فترات الاستراحة بين الحصص الدراسية، حيث يتوجهون إليه بشكل شبه يومي لاقتناء هذه المشروبات.
حوالي الساعة العاشرة والربع صباحا، توجهنا إلى محيط إحدى المؤسسات التعليمية، لفت انتباهنا وجود مجموعات من المراهقين، تتراوح أعمارهم حوالي 15 سنة، وهم يتجمعون ويتبادلون الحديث، وفي أيديهم علب مشروبات الطاقة.
وعند سؤال بعضهم عن سبب إقبالهم على هذه المشروبات، أوضحوا أنهم يعتمدون عليها لمنحهم طاقة إضافية خلال حصص التربية البدنية، وكذلك للبقاء مستيقظين خلال اليوم الدراسي، خاصة وأن عددا كبيرا منهم يسهر لساعات متأخرة مستعملا الهاتف المحمول، مما يجعل الاستيقاظ والتركيز داخل الفصل أمرا صعبا بالنسبة لهم.
وأوضح بعض التلاميذ أن ثمن هذه المشروبات يُعد مناسبا لهم، إذ لا يتجاوز غالبا 20 درهما، وهو ما يجعل اقتناءها في متناولهم.
وأضافوا أنه في بعض الأحيان يلجأ صديقان إلى جمع المال معا لشراء علبة واحدة وتقاسمها فيما بينهما، خصوصا خلال فترات الاستراحة أو بعد انتهاء الحصص الدراسية، في ظل ما يعتبرونه حاجة سريعة للحصول على النشاط والتركيز.
لنعمق البحث اكثر، وجدنا دراسات علمية متعددة تناولت موضوع مشروبات الطاقة حذّرت من تأثيراتها الصحية، خاصة على الجهاز القلبي الوعائي. فقد بيّنت مراجعات بحثية أن هذه المشروبات قد تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وتسارع نبضات القلب، مع احتمال حدوث اضطرابات في عمل الأوعية الدموية.
كما أوضحت أبحاث أخرى أن حتى الأشخاص الأصحاء قد يتأثرون سلباً بعد استهلاكها، من خلال تسجيل ارتفاع ملحوظ في مؤشرات ضغط الدم.
ومن أبرز هذه الدراسات مراجعة Grasser وآخرين سنة 2016 تحت عنوان “Energy Drinks and Their Impact on the Cardiovascular System”، والتي خلصت إلى أن استهلاك هذه المشروبات يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وتسارع نبضات القلب، مع احتمال حدوث اضطرابات في وظائف الأوعية الدموية، ودعت إلى مزيد من البحث حول آثارها بعيدة المدى.
كما تناولت دراسة سنة 2022 بعنوان “Do energy drinks increase blood pressure in adults without the diagnosis of hypertension?” تأثيرها على البالغين الأصحاء، وأشارت إلى تسجيل ارتفاع في الضغط الانقباضي بمتوسط 4.4 ملم زئبق بعد الاستهلاك، مما يدل على تأثير سلبي حتى لدى غير المصابين بارتفاع الضغط.
وفي تجربة سريرية محكمة سنة 2017 بعنوان “Randomized Controlled Trial of High-Volume Energy Drink Consumption”، تم رصد تغيّرات في كهرباء القلب وارتفاع في ضغط الدم بعد تناول كميات كبيرة من مشروبات الطاقة، مع الإشارة إلى أن هذه التأثيرات تتجاوز تأثير الكافيين وحده بسبب وجود مكونات أخرى مثل التورين.
أما المراجعة الشاملة سنة 2023 بعنوان “The Dark Side of Energy Drinks: A Comprehensive Review”، فقد وثقت حالات خطيرة مرتبطة بالاستهلاك المفرط، مثل اضطرابات قلبية ومضاعفات على الكبد والدماغ، ودعت إلى تقنين بيع هذه المنتجات خاصة للفئات العمرية الصغيرة.
مباشرة، توجهنا إلى مدينة الرباط، حيث توجد عيادة الدكتور محمد أدهشور، أخصائي في التغذية العلاجية والسريرية، من أجل الوقوف على الآثار الصحية لمشروبات الطاقة.
داخل العيادة، أوضح الدكتور في حديثة لـ”إعلام تيفي” أن هناك خلطا شائعا لدى الكثيرين بين المشروبات الطاقية ومشروبات الطاقة، مؤكداً أن الفرق بينهما كبير.

فالأولى تعد مخصصة أساسا للرياضيين، إذ تعمل على تعويض السوائل والأملاح المعدنية التي يفقدها الجسم أثناء المجهود البدني، بينما الثانية تسوق في الأسواق على أنها مصدر للنشاط والتركيز، لكنها في الواقع تحتوي على نسب مرتفعة من السكريات، إلى جانب مواد منبهة مثل الكافيين والتورين والغوارانا وغيرها من المركبات التي قد تكون آثارها الصحية غير واضحة بالكامل.
تأثير هذه المشروبات حسب الأخصائي يكون سريعا ومخادعا في الوقت نفسه، إذ تمنح إحساسا مؤقتا بالطاقة واليقظة، يعقبه انخفاض حاد في مستوى النشاط نتيجة تفاعل الجسم مع كمية السكر الكبيرة، مما يؤدي إلى اضطراب في توازن السكر في الدم.
ومع تكرار هذا الإحساس، قد يدخل المستهلك في حلقة من الاعتماد التدريجي على هذه المشروبات، دون إدراك حقيقي لمخاطرها.
وأكد على أن الاستهلاك المتكرر لمشروبات الطاقة قد ينعكس سلبا على جودة النوم ويؤدي إلى خفقان في القلب، إضافة إلى تأثيرات محتملة على المدى البعيد تمسّ القلب والشرايين وحتى الكبد، داعيا إلى تجنبها خاصة لدى المراهقين والتلاميذ، باعتبارها تمنح طاقة مؤقتة غير حقيقية لا تعكس أي فائدة صحية مستدامة.

في سياق هذا الانتشار المتزايد، يؤكد حسين أيت علي، عن المرصد المغربي لحماية المستهلك، أن هناك ارتفاعا ملحوظا في مبيعات مشروبات الطاقة، خصوصاً في أوساط فئة المراهقين، ما يثير قلقاً متنامياً حول تداعيات هذا الاستهلاك المبكر.
ويضيف المتحدث أن هذا الوضع دفع المرصد إلى التحرك، من خلال التواصل مع عدد من البرلمانيين، بهدف طرح أسئلة كتابية وشفوية داخل البرلمان المغربي، في أفق الدفع نحو بلورة نصوص قانونية أكثر صرامة وتنظيما لتسويق هذه المنتجات، خاصة للفئات العمرية الصغيرة.
ومن هنا، توجهنا إلى تتبع الأسئلة البرلمانية المطروحة في هذا السياق، حيث تواصلنا مع النائبة البرلمانية حنان أتركين، التي أعادت ملف مشروبات الطاقة إلى واجهة النقاش داخل المؤسسة التشريعية.
وفي سؤال شفوي موجه إلى وزيرة الاقتصاد والمالية، دعت أتركين إلى ضرورة اتخاذ إجراءات تنظيمية عاجلة لتقنين بيع هذه المنتجات، خاصة لفائدة القاصرين الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة، في ظل ما وصفته بتزايد استهلاكها في صفوف التلاميذ والمراهقين داخل المؤسسات التعليمية ومحيطها.


ويأتي هذا التحرك -حسب أتركين- في سياق نقاش أوسع حول غياب قيود قانونية واضحة تحدد الفئات العمرية المسموح لها باقتناء هذه المشروبات، إذ لا توجد إلى حدود الساعة مقتضيات صارمة تُلزم نقاط البيع بالتحقق من السن، أو تمنع تسويقها لفئة الأطفال والمراهقين، ما يجعلها في متناول شريحة عمرية حساسة.
وهو ما يثير، وفق البرلمانية، إشكالات مرتبطة بمدى كفاية الإطار التنظيمي الحالي في مواكبة المخاطر الصحية المحتملة المرتبطة بالاستهلاك المبكر لهذه المنتجات.
ملف مشروبات الطاقة من الملفات التي تثير نقاشاً متزايداً بين البعد الصحي والبعد التشريعي، خاصة في ظل الإقبال الواسع عليها من طرف فئة القاصرين والمراهقين.
وبين تحذيرات المختصين ودعوات فعاليات حماية المستهلك، يتضح أن هذا الاستهلاك المبكر لم يعد مجرد سلوك فردي عابر، بل ظاهرة تستدعي قراءة أعمق لآثاره على صحة الشباب وسلوكهم اليومي داخل الوسط المدرسي وخارجه.
كما يطرح هذا الواقع سؤالاً ملحاً حول ضرورة تطوير الإطار القانوني والتنظيمي المؤطر لتسويق هذه المنتجات، عبر إدراج قيود أوضح مرتبطة بالفئات العمرية، وتعزيز المراقبة داخل نقاط البيع، إلى جانب تكثيف الحملات التوعوية داخل المؤسسات التعليمية.





