طغيان المقاربة التقنية على الحس السياسي.. حين تعجز الأرقام عن قراءة نبض الشارع

أميمة حدري
رسم تقرير مرصد العمل الحكومي صورة قاتمة لطبيعة التوازن القائم بين المقاربة التقنية والحس السياسي في تدبير عدد من الملفات العمومية، مؤكدا أن اتساع الاعتماد على الأرقام والمؤشرات في صياغة السياسات العمومية لم يعد كافيا لتفسير التفاعلات الاجتماعية ولا لاحتواء منسوب الاحتقان المتزايد في الشارع.
ويشير التقرير، كما ورد في خلاصاته العامة، إلى أن طغيان المقاربة التقنية في صناعة القرار الحكومي، رغم ما توفره من دقة في القياس والتقييم، أصبح يطرح إشكالا متناميا يتعلق بضعف القدرة على استيعاب البعد الإنساني والاجتماعي للسياسات العمومية، حيث يتم التركيز على نسب النمو، وحجم الميزانيات المرصودة، وعدد المستفيدين من البرامج الاجتماعية، في حين تبقى مؤشرات أخرى غير قابلة للقياس الرقمي، مثل الإحساس بالعدالة الاجتماعية والرضا العام، خارج دائرة الاهتمام الكافي.
وفي هذا السياق، سجل التقرير أن الفجوة بين ما تعتبره الحكومة “إنجازات رقمية” وما يعيشه المواطن في واقعه اليومي، تتسع بشكل ملحوظ، خصوصا في الملفات المرتبطة بالقدرة الشرائية وغلاء الأسعار وتكلفة المعيشة، حيث لا تنجح المقاربات التقنية وحدها في امتصاص التوتر الاجتماعي أو إعادة بناء الثقة بين الفاعل الحكومي والمجتمع.
وأورد التقرير أن موجات الاحتجاج المرتبطة بارتفاع الأسعار وكلفة العيش كشفت محدودية الخطاب القائم على التوازنات المالية العمومية وحدها، ودعم بعض المواد الأساسية، وضبط السوق، في غياب خطاب سياسي مواز يشرح الاختيارات العمومية ويقربها من فهم المواطن، خاصة في سياقات تتسم بضغط اقتصادي مباشر على الأسر.
كما سجل المصدر ذاته أن عددا من الأزمات الاجتماعية والقطاعية لم تتفاقم فقط بسبب طبيعة القرارات المتخذة، بل أيضا بسبب غياب الحس السياسي الكفيل بقراءة مبكرة لمؤشرات الاحتقان، والتفاعل السريع مع التحولات التي تعرفها الفئات الاجتماعية المتضررة، وهو ما جعل بعض القرارات تبدو سليمة من الناحية التقنية لكنها ضعيفة من حيث القبول المجتمعي.
وفي ما يتعلق بالقطاعات الاجتماعية، أبرز التقرير التعليم والصحة والحوار الاجتماعي كنماذج واضحة لهذا الاختلال، حيث يتم التركيز على حجم الإصلاحات المعلنة، وعدد المناصب المالية المحدثة، والاعتمادات المالية المرصودة، والاتفاقات الموقعة مع النقابات، مقابل استمرار شعور شرائح واسعة من المواطنين بأن أثر هذه الإجراءات لا ينعكس بشكل ملموس على جودة الخدمات ولا على تحسين ظروف العيش اليومي.
ويضيف المرصد مسالف الذكر أن النقاشات التي رافقت الحوار الاجتماعي أظهرت هذا التباين بين المقاربة التقنية والمطلب الاجتماعي، إذ اعتبرت بعض الفئات أن النقاش انصب بشكل كبير على الأرقام والزيادات الجزئية، دون معالجة الإحساس العام بالهشاشة وتراجع القدرة الشرائية، خصوصا لدى الفئات المتوسطة والمتقاعدة والهشة.
كما توقف عند طريقة تدبير بعض الملفات القطاعية الساخنة، مشيرا إلى أن غياب التواصل السياسي الكافي أو تأخره في بعض اللحظات المفصلية ساهم في تحويل ملفات مهنية وإدارية إلى أزمات اجتماعية مفتوحة، بدل أن تبقى داخل حدود النقاش التقني القابل للتسوية.
وخلص مرصد العمل الحكومي إلى أن استمرار تغليب المقاربة التقنية على الحس السياسي في تدبير الشأن العام من شأنه أن يعمق فجوة الثقة بين الحكومة والمجتمع، داعيا إلى إعادة التوازن بين منطق الأرقام ومنطق الإدراك السياسي والاجتماعي، عبر تعزيز التواصل السياسي في الوقت المناسب، واستباق الاحتجاجات بدل الاكتفاء بالتفاعل معها بعد تفجرها، بما يضمن تحويل السياسات العمومية من مجرد مؤشرات كمية إلى أدوات فعلية للاستجابة لانتظارات المواطنين واحتواء التوترات قبل تصاعدها في الشارع.





