موسم فلاحي قياسي وسياحة مزدهرة.. هل يصنع المغرب “استثناءً اقتصادياً” في 2026؟ (تقرير)

حسين العياشي
ترسم معطيات الظرفية الاقتصادية بالمغرب، مع مطلع ربيع 2026، ملامح مشهد متماسك على نحوٍ لافت، في وقت تتكاثف فيه الضبابية على الساحة الدولية. فبين موسم فلاحي استثنائي وانتعاش سياحي متسارع، يبدو أن الاقتصاد الوطني ينجح، إلى حد بعيد، في تثبيت توازنه وسط رياح خارجية مضطربة، واضعا نفسه في موقع مغاير لما تعيشه العديد من الاقتصادات العالمية.
وتكشف مذكرة الظرفية الصادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية عن صورة اقتصادٍ يستفيد من تضافر عوامل داخلية مواتية، في مقدمتها سنة فلاحية وُصفت بالاستثنائية، بعدما قدّر محصول الحبوب بنحو 90 مليون قنطار، مدعوما بتساقطات مطرية فاقت المعدل التاريخي بأكثر من النصف، وبارتفاع ملحوظ في نسبة ملء السدود التي تجاوزت ثلاثة أرباع طاقتها. هذا التحسن لم ينعكس فقط على الإنتاج النباتي، بل امتد أيضاً إلى وضعية القطيع، بما أعاد الزخم إلى القطاع الأولي وأعاد معه نفساً من الطمأنينة إلى الأسواق القروية والحضرية على السواء.
غير أن الصورة ليست متجانسة بالكامل، فالقطاع الثانوي يتحرك بإيقاع متباين، حيث يحافظ النشاط الصناعي التحويلي على قدر من الصلابة، مدعوماً بتحسن في الصادرات وارتفاع في نسبة استغلال القدرات الإنتاجية، في مقابل تراجع لافت في أنشطة أخرى، وعلى رأسها الصناعات الاستخراجية المرتبطة بالفوسفاط، إلى جانب فتور في قطاع البناء والأشغال العمومية، الذي يعكس بدوره حالة ترقب في الاستثمار العقاري، وتراجع في الطلب على مواد البناء.
في المقابل، يواصل القطاع الثالثي تعزيز موقعه كقاطرة للنمو، مدفوعاً أساساً بالدينامية المتواصلة لقطاع السياحة، الذي يسجل مؤشرات صعود واضحة سواء من حيث عدد الوافدين أو عائدات السفر، التي قفزت بنسب قوية، ما يعكس استعادة المغرب لجاذبيته كوجهة دولية. ويواكب هذا الأداء تحسن في مؤشرات النقل الجوي والبحري، إلى جانب تطور قطاع الاتصالات، بما يؤشر على اقتصاد خدماتي يتجه نحو مزيد من الاتساع والتنوع.
وعلى مستوى الطلب الداخلي، تبدو الاستهلاكيات في وضع مريح نسبيا، مدعومة باستقرار شبه كامل في مستويات التضخم، بل وتراجع طفيف في وتيرته، إلى جانب تحسن تحويلات مغاربة العالم وتنامي القروض الموجهة للاستهلاك. كما يحافظ الاستثمار على دينامية إيجابية، تغذيها المشاريع الكبرى وارتفاع نفقات التجهيز العمومي، وهو ما تؤكده أيضاً مؤشرات استيراد معدات الاستثمار وتزايد التمويلات البنكية الموجهة لهذا الغرض.
أما في ما يتعلق بالمبادلات الخارجية، فيسجل الميزان التجاري اتساعاً طفيفاً في عجزه، رغم تحسن بعض القطاعات التصديرية، خاصة صناعة السيارات والطيران، في مقابل ارتفاع الواردات بوتيرة مدفوعة بالطلب على التجهيزات والمواد الأولية. ومع ذلك، يظل معدل تغطية الواردات بالصادرات في تحسن نسبي، ما يعكس نوعاً من التوازن الحذر في المبادلات.
وفي جانب المالية العمومية، تبرز معطيات لافتة تعكس تحسناً ملموساً في وضعية الميزانية، التي انتقلت إلى تسجيل فائض مهم مع نهاية الربع الأول، مدفوعة بارتفاع الإيرادات بوتيرة تفوق نمو النفقات، في مؤشر على تحسن القدرة الجبائية وضبط نسبي لمسار الإنفاق. كما تعكس وتيرة نمو القروض البنكية تحركاً إيجابياً في تمويل الاقتصاد، رغم استمرار تراجع أداء البورصة، التي تبدو أكثر تأثراً بالتقلبات الخارجية وحالة الحذر التي تهيمن على المستثمرين.
وتكتسب هذه المؤشرات دلالتها الكاملة عند مقارنتها بالسياق الدولي، حيث يراجع صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي نحو الانخفاض، في ظل تصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية، وتباطؤ اقتصادات كبرى، خاصة داخل منطقة اليورو. كما تضيف تقلبات أسعار الطاقة والعملات مزيداً من التعقيد إلى المشهد العالمي، بما ينعكس على مناخ الاستثمار وثقة الفاعلين الاقتصاديين.
في هذا السياق، يبدو أن المغرب ينسج مساراً مغايراً نسبياً، مستفيداً من ديناميات داخلية قوية، لكنه يظل، في الآن ذاته، مطالباً بدرجة عالية من اليقظة. فاستمرار تقلب الأسواق الدولية، واتساع العجز التجاري، وتباين أداء القطاعات الإنتاجية، كلها مؤشرات تفرض الحفاظ على توازن دقيق بين تحفيز النمو وصون الاستقرار الماكرو-اقتصادي.





