اليحياوي لـ”إعلام تيفي”: الاضطرابات النفس-جسدية من الظواهر الصحية المعقدة

هدى الرويفي: صحافية متدربة 

تعد الاضطرابات النفس-جسدية من الظواهر الصحية المعقدة التي يتداخل فيها النفسي بالعضوي، حيث تؤثر الحالة النفسية بشكل مباشر في الجسد، فتتحول مشاعر القلق والتوتر والضغط إلى أعراض جسدية حقيقية، وليست مجرد أوهام أو تخيلات.

وفي هذا السياق، أكدت الأخصائية النفسية ياسمين اليحياوي، أن الفرد قد يعاني من آلام في المعدة، صداع متكرر، تسارع في ضربات القلب، إرهاق مستمر، أو حتى مشاكل جلدية مختلفة، غير أن الفحوصات الطبية غالبا ما تكشف عن سلامة الجانب العضوي، دون وجود خلل وظيفي واضح يفسر هذه الأعراض، هنا يبرز دور العامل النفسي، الذي يجد طريقه للتعبير عبر الجسد.

رسالة من الجسد تنبه الإنسان إلى ضرورة الانتباه لحالته النفسية

وشددت اليحياوي في تصريح لـ “إعلام تيفي” أن هذه الأعراض حقيقية تماما، وأن المريض لا يتخيلها أو يفتعلها، بل يتأثر جسده فعليا بحالته النفسية. مضيفة أن التمييز بين الاضطرابات النفس-جسدية والأمراض العضوية يحظى بأهمية كبيرة، ويعتمد على مجموعة من المؤشرات الأساسية.

وفي ما يخص الأمراض العضوية، لفتت المتحدثة ذاتها، إلى أن السبب الطبي يكون واضحا من خلال التحاليل والفحوصات، بينما في الاضطرابات النفس-جسدية، تكون النتائج سليمة رغم استمرار المعاناة. مشيرة أن هذه الاضطرابات ترتبط ارتباطا وثيقا بالحالة النفسية للفرد، إذ تشتد الأعراض مع التوتر والقلق والضغوط المهنية أو الأسرية، وتخف تدريجيا مع تحسن الحالة النفسية.

وتابعت موضحة: “غالبا ما تظهر هذه الأعراض عقب أحداث صعبة، مثل فقدان شخص عزيز، أو مشاكل عائلية، أو ضغوط دراسية ومهنية، أو تغيرات مفاجئة في الحياة. في هذه الحالات، يصبح الجسد وسيلة للتعبير عن مشاعر يعجز الإنسان عن الإفصاح عنها بالكلام”.

ومن هذا المنطلق، شددت الأخصائية النفسية على ضرورة اعتماد مقاربة تشخيصية شمولية، تقوم على التكامل بين الطبيب والأخصائي النفسي، بهدف استبعاد أي سبب عضوي أولا، ثم التوجه نحو فهم الجانب النفسي ومعالجته.

ورأت أن الاضطرابات النفس-جسدية تعد بمثابة رسالة من الجسد تنبه الإنسان إلى ضرورة الانتباه لحالته النفسية، إذ إن الصحة النفسية والجسدية وجهان لعملة واحدة. فالتوتر المزمن الناتج عن ضغوط الحياة اليومية، مثل البطالة أو غلاء المعيشة أو الظروف الاجتماعية الصعبة، يمكن أن يؤدي إلى ظهور أعراض متعددة، من بينها اضطرابات النوم، آلام القولون، تسارع ضربات القلب، أو مشاكل جلدية.

هذا، وأضافت اليحياوي أنه يلاحظ أن العديد من الأشخاص يفتقرون إلى القدرة على التعبير عن معاناتهم النفسية، أو لا يجدون فضاء آمنا للحديث عنها، ما يجعل الجسد الوسيلة البديلة للتعبير، وهنا يتحدث الجسد عندما يصمت اللسان.

تحول إيجابي يستدعي مواكبة قانونية

أما على مستوى الوعي المجتمعي في المغرب، فأشارت الأخصائية النفسية إلى أن السنوات الأخيرة قد شهدت تطورا ملحوظا في الاهتمام بالصحة النفسية، حيث بدأ الإقبال على الاستشارة النفسية في التزايد. ومع ذلك، لا يزال هذا الوعي دون المستوى المطلوب، إذ تستمر بعض التصورات الخاطئة المرتبطة بزيارة الأخصائي النفسي، والتي تربطها باضطرابات نفسية حادة فقط. في حين أن العلاج النفسي يمكن أن يكون دعما ومواكبة خلال الفترات الصعبة، أو وسيلة لفهم الأعراض النفس-جسدية والتعامل معها.

وحسب اليحياوي، تبقى عدة عوائق قائمة أمام طلب المساعدة النفسية، من بينها نظرة المجتمع، والخوف من الأحكام الاجتماعية، ونقص الوعي، إضافة إلى محدودية الولوج إلى الخدمات النفسية في بعض المناطق، وغياب التوجيه حول الجهات المختصة.

ورغم هذه التحديات، ترى المتحدثة أنه يسجل تحول إيجابي في نظرة المجتمع، يستدعي مواكبته بإطار قانوني ينظم مهنة العلاج النفسي، ويعزز الثقة فيها، بما يساهم في ترسيخ ثقافة العناية بالصحة النفسية إلى جانب الجسدية.

وفيما يتعلق بأبرز الأعراض المرتبطة بالاضطرابات النفس-جسدية، فأكدت الأخصائية النفسية أنها تشمل آلام المعدة، القولون العصبي، الصداع المزمن، اضطرابات النوم، تسارع ضربات القلب، إضافة إلى بعض المشاكل الجلدية مثل الحساسية أو الإكزيما، فضلا عن الشعور بالتعب المستمر دون سبب عضوي واضح.

واستشهدت المتحدثة بمثال من الثقافة المغربية، حيث يتداول مفهوم “بومزوي”، والذي غالبا ما يرتبط بحالات الخوف المفاجئ أو الصدمة النفسية، خصوصا لدى الأطفال. وتظهر في هذه الحالات أعراض جسدية مثل فقدان الشهية، اضطرابات النوم، البكاء المتكرر أو آلام البطن، رغم أن السبب الحقيقي يكون نفسيا في المقام الأول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى