الوهم بين وعود التشغيل الحكومية ومحطات الطرامواي التي لا تتوقف عند أحلام الشباب

فاطمة الزهراء ايت ناصر
في إحدى عربات الطرامواي بالرباط، كان شابان في بداية العشرينات يجلسان قرب الباب، الأول يحمل ملفا بنيا بداخله شهادة جامعية، والثاني يراجع هاتفه بين لحظة وأخرى، تتكرر نفس الإعلانات؛ مطلوب خبرة، سنتين على الأقل، فرصة تدريب بدون أجر..
الأول تحدث وهو يبتسم بمرارة: “قالوا لنا إن الحكومة ستوفر مليون منصب شغل…”
رد الثاني مباشرة: “قالوا أيضا إن النمو سيكون حلا… لكننا لم نر الحل في جيوبنا.”
في الخارج كانت المدينة تتحرك بسرعة، أما داخل العربة فكان الزمن يبدو أبطأ بكثير، تكرر في الحديث ذكر وعود حكومية منذ بداية ولاية عزيز أخنوش سنة 2021، وعلى رأسها هدف خلق مليون منصب شغل.
وعود رافقتها برامج لدعم الاستثمار وإصلاح سوق الشغل وتحسين مناخ الأعمال، لكن ما يعيشه الشباب في الواقع يبدو مختلفا، تشير الأرقام الرسمية إلى أن البطالة العامة ما تزال تدور في حدود 12% إلى 13%، بينما تقارب بطالة الشباب مستويات تتراوح بين 35% و38% في فترات متعددة.
تقرير البنك الدولي حول المغرب لسنة 2026 يقدم صورة أكثر تفصيلا، إذ يتحدث عن عجز سنوي في خلق فرص الشغل يقدر بحوالي 215 ألف منصب بين 2000 و2024، ويرتفع إلى نحو 370 ألف منصب سنويا في السنوات الأخيرة.
التقرير لا يتوقف عند الأرقام فقط، بل يشير إلى أن النمو الاقتصادي، رغم استقراره، لا يترجم إلى وظائف كافية، بسبب ضعف الإنتاجية، ومحدودية توسع القطاع الخاص، واستمرار عراقيل تعيق دينامية الاستثمار.
في المقابل، يؤكد صندوق النقد الدولي في تقاريره الأخيرة أن المغرب يسجل نموا يتراوح بين 3.7% و4.4%، لكنه يصف البطالة، خصوصا لدى الشباب، بأنها مشكلة بنيوية وليست ظرفية، حيث تظل نسبها مرتفعة بشكل لافت مقارنة بحجم النمو.
ويشير التقرير إلى أن سوق الشغل لا يستوعب الداخلين الجدد بنفس الوتيرة، ما يخلق فجوة مستمرة بين التعليم وفرص العمل.
هذا الحديث يعيدنا إلى مشكل أعمق يتعلق بمنظومة التعليم والتكوين، حيث تشير نقاشات رسمية وخبراء إلى أن المغرب راكم أكثر من ثلاثين سنة من الإصلاحات التعليمية، دون أن ينجح بشكل كامل في ربط التكوين بسوق الشغل.
ما زالت الفجوة قائمة بين ما يتعلمه الشباب في المؤسسات الأكاديمية والجامعات وما يتطلبه سوق الشغل من مهارات وقدرات، خصوصا في مجالات التكنولوجيا والمهن الحديثة.
كما أن جزءا كبيرا من الاقتصاد ما يزال يعتمد على استثمارات عمومية، خاصة في البنيات التحتية، وهي استثمارات مهمة لكنها لا تولد بالضرورة عددا كبيرا من فرص الشغل المستدامة.
في المقابل، يظل القطاع الخاص محدود الدينامية، مع هيمنة المقاولات الصغيرة جدا وضعف في توسعها وقدرتها على خلق وظائف كثيرة، إضافة إلى استمرار الاقتصاد غير المهيكل في امتصاص جزء من اليد العاملة دون حماية اجتماعية كافية.
من الجانب الاخر في لحظة صمت داخل الطرامواي، قال أحد الشابين إن الغريب ليس فقط غياب العمل، بل تكرار نفس الخطابات منذ سنوات.
عادت بي الذاكرة حينها إلى فترة الاحتجاجات، حين كان اسم “جيل زد” يتردد في الشوارع وعلى الشاشات وفي هواتف الشباب.
كانت الهتافات لا تطلب الكثير، بل تختصر كل شيء في كلمة واحدة ألا وهي الشغل، شباب في مقتبل العمر، بعضهم يحمل شهادات عليا، وبعضهم ترك الدراسة باكرا، لكنهم يجتمعون عند نفس المطلب.
في تلك الأيام، خرجت الحكومة بتصريحات تؤكد فيها أنها منفتحة على الحوار ومستعدة للاستماع إلى مطالب الشباب عبر القنوات المؤسساتية.
الحكومة اعتبرت أن الاحتجاج حقا مشروعا، وإن النقاش داخل المؤسسات هو السبيل لمعالجة الإشكالات الاجتماعية، مشددتا على أنها تعمل على برامج لدعم التشغيل وتحفيز الاستثمار.
وقبل أيام، وخلال تقديم حصيلة الحكومة أمام البرلمان، دافع أخنوش بقوة عن أرقام حكومته، مؤكدا أن المغرب تمكن من إحداث حوالي 850 ألف منصب شغل صافي بين 2021 و2025، بمعدل يقارب 170 ألف منصب سنويا، معتبرا أن هذا الأداء يفوق ما تحقق في ولايات سابقة.
ومع حلول فاتح ماي 2026، عادت قضية التشغيل إلى الواجهة من زاوية أخرى، بمناسبة عيد الشغل، تحدثت الحكومة عن حصيلة الحوار الاجتماعي، وعن غلاف مالي يقارب 49.7 مليار درهم خصص لدعم الإجراءات الاجتماعية وتحسين أوضاع الشغيلة.
وزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل ركز على أن الحكومة ماضية في إصلاحات تهدف إلى دعم المقاولات، وتحسين مناخ الأعمال، وربط التكوين بسوق الشغل.
لكن في الطرامواي، ظل السؤال نفسه يتردد بين الشابين لم الارقام التي نسمعها من أفواه المسؤولين لا نراها في أرض الواقع؟
أيقظني صوت الطرامواي عند وصولي إلى المحطة المرجوة، استيقظت من شرودي، وأنا ما زلت أُحدث نفسي عن وضع شباب اليوم، فكرت في ذلك الشاب الذي يجد عملا أخيرا بعد سنوات من الانتظار، لكنه يكتشف أن الأجر لا يتجاوز ثلاثة آلاف درهم، بالكاد تكفي لكراء غرفة ومصاريف التنقل وبعض الالتزامات البسيطة.
يعيش بين ضغط المقارنة بأقرانه، ونظرات المجتمع التي تختزل الرجولة في القدرة على الإعالة، وإحساس داخلي بالخذلان لأنه لم يصل بعد إلى الاستقرار الذي وُعد به منذ مقاعد الدراسة.
البطالة تتعب النفس، لكن العمل الهش بأجر هزيل قد يكون أكثر قسوة، لأنه يضع الشاب أمام مسؤوليات أكبر من قدرته المادية، فيشعر أنه يركض في مكانه دون أن يتقدم خطوة.
وفي عمق هذا القلق اليومي، تتسلل فكرة الزواج إلى عقل الشاب، لكن المشكل ليس عزوفا كما يصور أحيانا، بل عجزا ماديا قاهرا، الشاب المغربي، في الحقيقة، لا يرفض فكرة الأسرة، بل يحلم بها مثل غيره؛ يريد بيتا ، واستقرارا، وطفلا يحمل اسمه، لكنه حين يحسب التكاليف من كراء وسكن وتجهيز ومصاريف معيشة، يدرك أن دخله لا يسمح حتى بتأمين الحد الأدنى من الكرامة، فكيف بمسؤولية شريكة حياة وأبناء؟
هكذا تتحول البطالة وهشاشة الشغل إلى أحد الأسباب الخفية لارتفاع سن الزواج وتراجع الإقبال عليه، لا لأن الشباب فقدوا الرغبة في الاستقرار، بل لأن الواقع الاقتصادي يضع أمامهم جدارا يصعب تسلقه.





