مسؤولون قضائيون يؤكدون مركزية مكافحة الفساد في تعزيز الحكامة العمومية

أميمة حدري
متابعة_ شكل موضوع تخليق الحياة العامة ومكافحة الفساد محور نقاش علمي جمع مسؤولين قضائيين وخبراء ماليين وأكاديميين، الذين أجمعوا على أن تعزيز الحكامة العمومية يظل رهينا بإرساء منظومة متكاملة تقوم على الوقاية والزجر وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن حماية المال العام وتقوية ثقة المواطنين في المؤسسات.
وجاء هذا التأكيد خلال ندوة علمية احتضنها الرواق المشترك بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، في إطار فعاليات المعرض الدولي للكتاب بالرباط، حيث تم التوقف عند الأدوار المتنامية للمؤسسة القضائية في ترسيخ الشفافية ومحاربة مختلف أشكال الفساد المالي والإداري.
اللقاء كان برئاسة سعاد كوكاس، عضو المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث تناولت المداخلات تقنيات البحث المالي الموازي في جرائم الفساد المالي، ودور القضاء في تخليق الممارسة الانتخابية، إضافة إلى إسهام المحاكم المالية باختصاصاتها القضائية وغير القضائية في مراقبة التدبير العمومي وتعزيز ربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب التأكيد على أهمية أخلاقيات الحياة العامة كركيزة أساسية لترسيخ الحكامة الجيدة.
كما تم التأكيد على أن الجرائم المالية لم تعد تقتصر على بعدها الجنائي فحسب، بل أضحت تمثل عائقا بنيويا أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بالنظر إلى تأثيرها المباشر على المرافق العمومية وتعطيلها لبرامج التنمية، ما يستدعي تطوير آليات المواجهة وتعزيز النجاعة القضائية.
وفي هذا الإطار، أبرز متدخلون أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة ترسانة قانونية مهمة في مجال مكافحة الفساد، من خلال المصادقة على اتفاقيات دولية ذات الصلة، وتحديث النصوص القانونية المرتبطة بغسل الأموال وحماية المبلغين، إلى جانب إرساء مؤسسات مختصة في تتبع هذه الجرائم.

كما تم التشديد على أن فعالية التصدي للجرائم المالية ترتكز على تلازم مجموعة من الآليات، من بينها الحجز والمصادرة والبحث المالي الموازي، باعتبارها أدوات مترابطة تسمح بتتبع مسار الأموال المشبوهة واسترجاع العائدات غير المشروعة لفائدة الدولة.
وفي سياق متصل، تم التأكيد على أن البحث المالي الموازي يشكل إحدى الآليات المحورية في كشف الشبكات المالية المرتبطة بالفساد، من خلال تحليل التحويلات المالية وتحديد مصادرها، بالاعتماد على معطيات المؤسسات البنكية والتصريحات بالاشتباه والسجلات الرسمية، مع تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين المؤسساتيين.
كما سجلت المداخلات أن القضاء الإداري يلعب دورا أساسيا في تخليق الحياة السياسية، عبر الإشراف على مختلف مراحل العملية الانتخابية، بما في ذلك التسجيل في اللوائح وضبط شروط الترشح ومعالجة الطعون، بما يضمن احترام مبدأ تكافؤ الفرص ونزاهة الاقتراع.
وأكد المتدخلون أن الاجتهاد القضـائي ساهم في إرساء معايير واضحة لتأطير العملية الانتخابية، سواء من حيث الأهلية أو مراقبة سير الحملات الانتخابية، مع اعتماد مقاربة متوازنة في التعامل مع المخالفات، لا يتم فيها إلغاء النتائج إلا عند ثبوت تأثيرها على الإرادة الحرة للناخبين.
أما على مستوى المحاكم المالية، فقد تم التوقف عند تطور أدوارها من مجرد جهاز رقابي إلى مؤسسة تسهر على تقييم التدبير العمومي وتوجيهه، من خلال آليات المراقبة والتدقيق وتتبع تنفيذ التوصيات، بما يعزز شفافية تدبير المال العام.
كما تم التأكيد على أهمية التصريح بالممتلكات ومراقبة تمويل الحملات الانتخابية والأحزاب السياسية، باعتبارها أدوات وقائية تساهم في الحد من تضارب المصالح وترسيخ مبادئ النزاهة في الحياة العامة.

وفي السياق ذاته، حذرت مداخلات من مخاطر بعض الممارسات التدبيرية غير القانونية، من بينها ما يعرف بالتسيير الفعلي خارج الضوابط القانونية، لما له من انعكاسات سلبية على المال العام، مع التأكيد على ضرورة تفعيل المقتضيات القانونية الزجرية في هذا الإطار.
واختتمت أشغال الندوة بالتأكيد على أن تخليق الحياة العامة يظل مشروعا استراتيجيا ممتدا، يستند إلى إصلاحات قانونية ومؤسساتية متراكمة، غير أن ترجمته الفعلية تقتضي أيضا ترسيخ ثقافة المسؤولية والنزاهة داخل المجتمع، باعتبارها شرطا أساسيا لضمان استدامة أي إصلاح في مجال الحكامة العمومية.





