مجلس الرباط يسلّم مراقبة شركات النظافة وسط إجماع حزبي.. وفيدرالية اليسار تعترض وحيدة

حسين العياشي
خبر_أثارت دورة ماي بمجلس مدينة الرباط نقاشا غير مسبوق داخل أوساط المتتبعين للشأن المحلي، بعدما صادق المجلس على نقطة اعتبرها عدد من المنتخبين سابقة تطرح أسئلة عميقة حول حدود التفويض، ومعنى الرقابة، وطبيعة الأدوار التي يفترض أن تضطلع بها الجماعات الترابية في تدبير المرافق العمومية.
القضية لم تكن مرتبطة هذه المرة بصفقة جديدة أو مشروع تهيئة عمرانية أو خلاف سياسي عابر، بل تعلقت بجوهر وظيفة المجلس الجماعي نفسه. ففي جلسة اتسمت بالكثير من التوتر، عرض على أعضاء مجلس الرباط التصويت على تحويل صلاحية مراقبة تنفيذ عقود شركات النظافة من الجماعة إلى شركة “الرباط المدينة الخضراء”، وهي شركة تنمية محلية تُعنى أساسا بتدبير المساحات الخضراء، ويترأس مجلسها الإداري والي جهة الرباط سلا القنيطرة.
وبينما مرّت النقطة بأغلبية مريحة، بدعم مختلف الأحزاب الممثلة داخل المجلس، من التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية، اختارت فيدرالية اليسار الديمقراطي الاصطفاف وحيدة في خانة الرفض، معتبرة أن ما جرى يتجاوز مجرد إعادة توزيع للاختصاصات، ليصل إلى مستوى “التخلي الطوعي” عن إحدى أهم الآليات التي تمنح للمجلس شرعيته الرقابية في تدبير قطاع مفوض للخواص.
عمر الحياني، المستشار الجماعي عن فيدرالية اليسار، لم يخفِ استغرابه مما حدث، معتبرا أن النقطة التي طُرحت للتصويت تعد “الأغرب” منذ دخوله المجلس قبل أحد عشر عاما. فبحسب قراءته، لا يتعلق الأمر فقط بإسناد مهمة تقنية لجهة أخرى، بل بخلق وضعية فريدة يتم فيها إخراج الجماعة، بصفتها الجهة المفوضة لقطاع النظافة، من مهمة مراقبة تنفيذ العقود، وتعويضها بشركة أخرى لا تربطها بالقطاع سوى علاقة تدبيرية غير مباشرة.
هذا التحول يفتح، في العمق، نقاشا أوسع حول طبيعة شركات التنمية المحلية التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة فاعلا متناميا داخل المدن الكبرى. فهذه الشركات، التي أُحدثت في الأصل كآلية لتسريع الإنجاز وتجاوز تعقيدات المساطر الإدارية، بدأت تتحول تدريجيا إلى بنى موازية تتوسع اختصاصاتها بشكل لافت، إلى درجة أصبحت معها تدير قطاعات استراتيجية كانت إلى وقت قريب من صميم اختصاص المجالس المنتخبة.
وفي حالة الرباط، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فشركة “الرباط المدينة الخضراء” ليست مؤسسة منتخبة تخضع للمساءلة السياسية المباشرة أمام المواطنين، بل شركة تنمية محلية ذات طبيعة هجينة، تجمع بين التدبير الإداري والبعد التقني، في وقت ترتبط فيه عقود النظافة يوميا بجودة العيش داخل المدينة، وبشكاوى السكان، وبالجدل المرتبط بمستوى الخدمات المقدمة في الأحياء.
ويرى متابعون أن نقل مهمة المراقبة من المجلس إلى شركة أخرى يطرح إشكالا يتجاوز الجانب القانوني نحو سؤال سياسي أعمق: من يراقب من؟ وكيف يمكن لمجلس منتخب أن يحاسب شركات النظافة أمام الرأي العام إذا كان قد تنازل بنفسه عن آلية التتبع والمراقبة؟
الأمر لم يتوقف عند حدود التصويت فقط، بل إن الجلسة نفسها عرفت أجواء متوترة زادت من حدة الجدل. إذ تحدثت فيدرالية اليسار عن حضور أشخاص غرباء عن المجلس داخل القاعة، قالت إنهم حضروا خصيصا للتشويش على مداخلات مستشاريها ومنعهم من عرض آرائهم ومواقفهم خلال المناقشة. وهي الواقعة التي أعادت إلى الواجهة النقاش حول احترام قواعد سير الجلسات وحياد الفضاء المؤسساتي داخل المجالس المنتخبة.
ووفق المعطيات التي قدمها الحياني، فإن رئاسة المجلس وممثل السلطة المحلية لم يتدخلا لإخراج هؤلاء الأشخاص، رغم أن القانون التنظيمي 113.14 يمنح لرئيس المجلس صلاحيات واضحة في حفظ النظام داخل الجلسات وضمان السير العادي للمداولات.
ما حدث داخل مجلس الرباط لا يبدو، بالنسبة لكثير من المتابعين، مجرد تفصيل إداري عابر، بل يعكس تحولا أعمق في طبيعة تدبير المدن الكبرى بالمغرب، حيث تتوسع أدوار شركات التنمية المحلية بشكل متسارع، مقابل تراجع تدريجي للدور السياسي والرقابي للمؤسسات المنتخبة. وهو تحول يثير أسئلة حقيقية حول مستقبل الديمقراطية المحلية، وحدود التفويض، وموقع المنتخب داخل منظومة أصبحت التقنية والتدبير المفوض والشركات شبه العمومية تتحكم في جزء متزايد من مفاصلها.
وفي مدينة بحجم الرباط، العاصمة السياسية والإدارية للمملكة، تبدو هذه الأسئلة أكثر حساسية، لأن الأمر لا يتعلق فقط بطريقة تدبير قطاع النظافة، بل بمسار كامل يعيد رسم العلاقة بين القرار المنتخب والسلطة التدبيرية، بين السياسة والتقنوقراط، وبين من يمتلك شرعية الصندوق ومن يمارس السلطة الفعلية على الأرض.





