التامني تفتح “الصندوق الأسود” لدعم استيراد الأغنام

حسين العياشي

خبر_ وسط ضجيج الأرقام المتناقضة، وارتفاع الأسعار الذي لم يغادر موائد المغاربة، عاد ملف دعم استيراد الأغنام والأبقار ليطفو مجدداً على سطح الجدل السياسي، لكن هذه المرة بنبرة أكثر حدة، وأسئلة أكثر إحراجاً. فبعد أشهر من إطلاق الحكومة إجراءات وصفت حينها بـ”الاستثنائية” لتطويق أزمة اللحوم الحمراء، بدأ النقاش ينتقل من سؤال الأسعار إلى سؤال أكثر حساسية: أين انتهت أموال الدعم؟ ومن استفاد منها فعلياً؟ ولماذا بقي المواطن يواجه الغلاء نفسه رغم الملايير التي ضُخت لإنقاذ السوق؟

الملف الذي بدا في بدايته مجرد تدبير استعجالي لتخفيف الاحتقان الاجتماعي، تحول اليوم إلى قضية تلامس جوهر الحكامة المالية وشفافية تدبير المال العام، خصوصاً بعدما دخلت المؤسسة التشريعية على الخط عبر مساءلات تضع الرواية الحكومية تحت مجهر التدقيق.

وفي هذا السياق، أثارت النائبة البرلمانية فاطمة التامني، عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، موجة جديدة من التساؤلات بعدما وجهت سؤالا كتابيا إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، مطالبة بتوضيحات حول ما وصفته بـ”التضارب الصارخ” في المعطيات الرسمية الخاصة باستيراد الأغنام خلال سنتي 2023 و2024.

وتعود جذور هذا الجدل إلى الفترة التي شهدت ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار اللحوم الحمراء، حين سارعت الحكومة إلى اعتماد حزمة من التدابير الاستثنائية، تضمنت إعفاءات جمركية وضريبية، إلى جانب تخصيص دعم مباشر للمستوردين بقيمة 500 درهم عن كل رأس غنم يتم استيراده، في خطوة قُدمت للرأي العام باعتبارها آلية سريعة لضخ العرض في الأسواق وكبح موجة الغلاء.

غير أن النتائج التي انتظرها المواطن لم تظهر بالقدر الموعود. فالأسعار واصلت ارتفاعها، واللحوم بقيت بعيدة عن القدرة الشرائية لفئات واسعة، بينما ظل أثر الدعم غائباً عن الأسواق، الأمر الذي فتح الباب أمام شكوك متزايدة حول مدى فعالية هذه السياسة، وحول الجهات التي استفادت فعلاً من الامتيازات المالية والضريبية المرتبطة بها.

وتستند التامني في إثارة هذا الملف إلى معطيات رسمية تبدو متناقضة بشكل لافت. فبحسب أرقام مكتب الصرف، بلغت واردات الأغنام خلال سنة 2023 حوالي 386 ألف رأس، في حين تتحدث معطيات وزارة الفلاحة عن نحو 136 ألف رأس فقط خلال الفترة نفسها. فارق يتجاوز ربع مليون رأس، وهو رقم لا يمكن، سياسياً ومالياً، اعتباره مجرد اختلاف تقني عابر.

هذا التفاوت العددي الكبير أعاد إلى الواجهة سؤالاً بالغ الحساسية: على أي أساس صُرف الدعم العمومي؟ هل اعتمدت الدولة الأرقام التي يقدمها مكتب الصرف أم تلك التي أعلنتها وزارة الفلاحة؟ ومن يمتلك المعطيات الدقيقة التي يمكن أن تحسم هذا الجدل؟

الأسئلة هنا لا تتعلق فقط بإحصائيات متباينة، بل تمتد إلى مصير أموال عمومية صُرفت في ظرفية اقتصادية دقيقة، كانت فيها الحكومة تبرر كل درهم يتم إنفاقه بضرورة حماية القدرة الشرائية للمواطنين. لذلك ترى المعارضة أن القضية تتجاوز مجرد خلل في الأرقام، لتتحول إلى اختبار حقيقي لمدى شفافية تدبير الدعم العمومي وآليات مراقبته.

وفي هذا الإطار، طالبت النائبة البرلمانية بالكشف عن الكلفة الإجمالية التي تحملتها خزينة الدولة نتيجة الإعفاءات الجمركية والضريبية والدعم المباشر، مع نشر عدد المستفيدين الفعليين من هذه الامتيازات وهوياتهم القانونية، في خطوة تعكس تصاعد المطالب السياسية والحقوقية بربط أي دعم عمومي بالمحاسبة والوضوح.

لكن الجدل لم يتوقف عند حدود معرفة من استفاد، بل امتد إلى مساءلة الحكومة حول ما إذا كانت قد باشرت عمليات افتحاص أو رقابة للتأكد من سلامة صرف هذه الأموال، خاصة في ظل الاتهامات المتكررة بأن الدعم استفادت منه فئات محدودة دون أن ينعكس على أسعار السوق أو على أوضاع المستهلكين.

ويبدو أن ملف استيراد المواشي لم يعد مجرد نقاش ظرفي مرتبط بارتفاع أسعار اللحوم، بل تحول تدريجياً إلى عنوان سياسي أوسع يضع طريقة تدبير الأزمات الاقتصادية في المغرب أمام اختبار صعب. فكل أزمة مرتبطة بالقدرة الشرائية تعيد النقاش نفسه: هل تنجح الحلول الاستعجالية فعلاً في حماية السوق والمواطن، أم أنها تتحول مع الوقت إلى آليات مكلفة تستنزف المال العام دون أثر ملموس؟

وفي نظر كثيرين، فإن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في حجم الأموال التي صُرفت، بل في غياب نتائج واضحة يشعر بها المواطن داخل الأسواق. فالمستهلك المغربي ظل يؤدي فاتورة الغلاء كاملة، بينما بقيت تفاصيل الدعم، وأسماء المستفيدين، وحجم الأرباح المحققة، ملفات محاطة بكثير من الغموض.

ومع عودة هذا الملف إلى قبة البرلمان، يبدو أن الجدل مرشح للتصاعد أكثر، خصوصاً في ظل تزايد المطالب بكشف الحقيقة الكاملة بشأن مليارات الدعم التي صُرفت باسم حماية القدرة الشرائية، بينما لم يلمس المواطن سوى استمرار الأسعار في الارتفاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى