صلة الرحم في زمن “الواتساب”.. حين يتحول العيد الى رسالة باردة بدل تجمع عائلي دافئ

مديحة المهادنة : صحافية متدربة
رأي_لم تعد صلة الرحم في الأعياد الدينية والمناسبات الاجتماعية كما كانت في السابق. فبعدما كانت الزيارة العائلية طقسا ثابتا لا يكتمل العيد بدونه، صارت عند كثيرين تختصر في مكالمة هاتفية سريعة، أو رسالة جاهزة عبر “واتساب”، ترسل أحيانا إلى عشرات الأشخاص في الوقت نفسه، دون دفء اللقاء ولا حرارة السؤال.
في الماضي، كان العيد مناسبة لاجتماع العائلة، ولزيارة الأقارب، وتفقد الكبار، ومصالحة من فرقتهم الخلافات أو مشاغل الحياة. كان الناس يقطعون المسافات، ولو بإمكانيات بسيطة، فقط من أجل السلام على الأهل والجلوس معهم وتقاسم لحظة إنسانية تعيد وصل ما انقطع خلال السنة.
أما اليوم، فقد غيرت السرعة والتكنولوجيا وضغط الحياة شكل العلاقات العائلية. كثيرون باتوا يعتبرون الاتصال الهاتفي كافيا لأداء الواجب، وكأن صلة الرحم تحولت من حضور فعلي إلى إشعار على شاشة الهاتف. رسالة قصيرة مثل “عيد مبارك سعيد” أصبحت، في نظر البعض، بديلا عن الزيارة والسؤال واللقاء.
ولا يمكن إنكار أن الهاتف ووسائل التواصل قربت المسافات، خاصة مع وجود أقارب في مدن بعيدة أو خارج الوطن. فهي وسيلة مهمة للسؤال والاطمئنان حين تمنع الظروف اللقاء. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه الوسائل إلى بديل دائم عن العلاقة الإنسانية، لا مجرد وسيلة مساعدة للحفاظ عليها.
فصلة الرحم ليست مجرد كلمات تقال في مناسبة دينية، بل هي اهتمام، ووقت، وحضور، ومساندة. وهي أيضا إحساس الطرف الآخر بأنه ما زال جزءا من العائلة، لا مجرد اسم ضمن لائحة طويلة من جهات الاتصال. لذلك يشعر كثير من كبار السن، خصوصا في الأعياد، بأن الهاتف لا يعوض طرق الباب، ولا يعوض الجلوس إلى جانبهم، ولا يعوض فرحة اجتماع الأبناء والأحفاد حولهم.
الأعياد الدينية في جوهرها ليست فقط مناسبة للفرح واللباس الجديد وتبادل التهاني، بل لحظة لإعادة ترميم العلاقات العائلية والاجتماعية. غير أن تحولها إلى تواصل رقمي بارد يكشف شيئا أعمق. تراجع الروابط، وانشغال الناس بأنفسهم، وتحول العلاقات أحيانا إلى واجب شكلي أكثر منها علاقة وجدانية حقيقية.
إن صلة الرحم تحتاج اليوم إلى استعادة معناها الحقيقي. فالمكالمة قد تكون بداية جميلة، والرسالة قد تكون لفتة طيبة، لكنها لا يجب أن تصبح نهاية العلاقة. الأعياد فرصة للرجوع إلى الدفء العائلي، ولو بزيارة قصيرة، أو جلسة صادقة، أو سؤال حقيقي عن الحال، لا مجرد تهنئة منسوخة ترسل ببرودة وتنتهي بمجرد ظهور علامة “تمت القراءة”.
في زمن التكنولوجيا، لا المطلوب أن نتخلى عن الهاتف، بل أن لا نسمح له بأن يسرق منا معنى القرب. فصلة الرحم لا تقاس بسرعة الإرسال، بل بصدق الوصول .





