من المسؤول عن “تبخر” القطيع الوطني قبل عيد الأضحى؟

أميمة حدري
خبرـ في عيد الأضحى هذا، تحولت الأسواق المغربية إلى فضاء مفتوح للأسئلة والقلق والغضب، في ظل ارتفاع غير مسبوق في أسعار الأضاحي، واختفاء جزء من القطيع الوطني من دوائر التتبع والرقابة، وسط اتهامات متصاعدة للحكومة بالفشل في تدبير واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بالأمن الغذائي والاجتماعي للمغاربة.
الأزمة التي انفجرت هذا الموسم لم تعد مرتبطة فقط بغلاء الأسعار، بل اتخذت أبعادا أعمق تتعلق بغموض الأرقام الرسمية، وضعف المراقبة، وغياب الشفافية، وتضارب المعطيات حول حقيقة وضعية القطيع الوطني، بعدما وجد المواطن نفسه أمام عرض محدود وأسعار ملتهبة، رغم الحديث الرسمي المتكرر خلال السنوات الماضية عن برامج دعم القطاع الفلاحي وتطوير تربية الماشية ضمن مخطط “المغرب الأخضر” ثم “الجيل الأخضر”.
وفي الوقت الذي كانت فيه السلطات تعلن عن إجراءات لمنع ذبح إناث الأغنام حفاظا على القطيع الوطني، سجلت الأسواق، بحسب مهنيين، استمرار بيع الإناث بشكل عادي، ما أعاد النقاش حول فعالية المراقبة الميدانية وحقيقة تنزيل القرارات الحكومية على أرض الواقع.
كما أثار تداول أضاح غير مرقمة داخل بعض الأسواق مخاوف إضافية مرتبطة بضعف التتبع الصحي والرقابي، خاصة وأن عملية الترقيم كانت تقدم خلال السنوات الماضية كآلية لضمان سلامة القطيع ومراقبته.
وتتجه أصابع الاتهام كذلك نحو شبكات من الوسطاء والمضاربين وبعض الكسابة الذين استفادوا من حالة الارتباك المسجلة في السوق، حيث يرى متابعون أن غياب مراقبة فعلية للأسعار ومسالك التوزيع ساهم في تضخم المضاربة وتحويل الأضحية إلى سلعة تخضع لمنطق الاحتكار والربح السريع، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للأسر المغربية بشكل حاد.
وفي خضم هذا الجدل، عاد الحديث بقوة عن دور مجلس المنافسة، بعدما ارتفعت مطالب بفتح تحقيقات حول طبيعة المضاربات التي عرفها سوق الماشية، وما إذا كانت هناك ممارسات احتكارية ساهمت في رفع الأسعار بشكل غير مبرر.
كما طالب متابعون بكشف حقيقة المعطيات المتعلقة بعدد رؤوس الأغنام والأبقار، وحجم القطيع الذي تم دعمه خلال سنوات الجفاف، ومآل الدعم العمومي الذي استفاد منه القطاع.
الانتقادات طالت أيضا السلطات المحلية والجماعات الترابية، خاصة في العالم القروي، حيث يفترض أن تضطلع أجهزة السلطة المحلية، من أعوان السلطة إلى المنتخبين وأعضاء الجماعات القروية، بدور أساسي في إحصاء القطيع وتتبع وضعيته الحقيقية.
غير أن ما كشفته الأزمة الحالية، وفق متابعين، هو وجود فجوة كبيرة بين الأرقام المتداولة مركزيا والواقع الميداني داخل القرى والمداشر، ما يطرح علامات استفهام حول دقة المعطيات المعتمدة في اتخاذ القرار.
ويرى فاعلون جمعويون أن الهجرة الداخلية المتواصلة من القرى نحو المدن، وتدهور أوضاع الفلاحين الصغار، وغياب دعم حقيقي للعالم القروي، كلها عوامل ساهمت في إنهاك قطاع تربية الماشية وتقليص أعداد المربين الصغار، مقابل توسع نفوذ كبار المضاربين والوسطاء.
كما اعتبر هؤلاء أن السياسات الفلاحية ركزت لعقود على الفلاحة التصديرية أكثر من اهتمامها بالأمن الغذائي المحلي وحماية القطيع الوطني.
وفي المؤسسة التشريعية، تتصاعد التساؤلات حول دور البرلمان، سواء الأغلبية أو المعارضة، في مراقبة تدبير هذا الملف. فبينما اكتفت الفرق البرلمانية بتبادل الاتهامات السياسية، يطرح الرأي العام أسئلة مباشرة حول حقيقة ما وقع: هل كان هناك فعلا نقص في القطيع؟ وهل أخطأت الحكومة في التقدير؟ وأين ذهبت برامج الدعم؟ ولماذا لم تظهر مؤشرات الأزمة إلا قبل العيد بأسابيع قليلة؟.
كما تتزايد الدعوات إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق أو مهمة استطلاعية برلمانية لكشف ملابسات ما جرى، خاصة في ظل الشعور العام بأن المؤسسات السياسية لم تعد قادرة على لعب دور الوساطة والتأطير داخل المجتمع، بعدما تراجع حضور الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات الوسيطة في النقاش العمومي حول القضايا الاجتماعية الكبرى.
وفي السياق ذاته، يثير متابعون غياب المجتمع المدني وجمعيات حماية المستهلك عن واجهة النقاش، رغم أن الأزمة مست بشكل مباشر القدرة الشرائية للمغاربة وحقهم في الولوج إلى سوق منظم وشفاف.
كما يطرح غياب تقارير ودراسات صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي علامات استفهام إضافية حول دور المؤسسات الاستشارية في مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالأمن الغذائي والفلاحي.
وتتجه الأنظار اليوم نحو فتح نقاش أوسع حول حصيلة المخطط الأخضر، الذي قدم منذ إطلاقه باعتباره رافعة لتحديث الفلاحة المغربية وتحقيق الأمن الغذائي. غير أن أزمة عيد الأضحى أعادت إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول مدى استفادة الفلاح الصغير من هذا النموذج، وحول قدرة السياسات الفلاحية الحالية على حماية الثروة الحيوانية وضمان استقرار السوق الوطنية في فترات الأزمات والجفاف.





