آيت بيهي لـ”إعلام تيفي”: بيلماون ذاكرة جماعية قاومت النسيان وتحولت من طقس قروي إلى كرنفال عالمي يخاطب العالم

المهدي سابق
خبر_ ككل سنة، تعود مدن سوس إلى موعدها مع “بيلماون”، ليس باعتباره مجرد احتفال موسمي يعقب عيد الأضحى، لكنه واحد من أكثر الطقوس الاحتفالية تعقيدا داخل الذاكرة الأمازيغية في جنوب المغرب. هنا، لا تتحرك الشوارع فقط تحت إيقاع الطبول والأقنعة الجلدية، قد تتحرك معها طبقات كاملة من التاريخ الشعبي، وتعود إلى الواجهة صور قديمة ظلت عالقة في المخيال الجماعي للمنطقة، منذ زمن كانت فيه القبائل تقيس علاقتها بالأرض والمواسم والخصوبة عبر الاحتفال الجماعي والفرجة والطقوس الرمزية.
ومع اقتراب موعد الكرنفال، تبدأ مدن سوس في تغيير ملامحها اليومية تدريجيا. الساحات العمومية تتحول إلى فضاءات مفتوحة للفرجة، والأحياء الشعبية تستعيد جزءا من ذاكرتها القديمة، بينما يعود “بودماون” بجلوده الثقيلة وأقنعته الغامضة ليعلن مرة أخرى أن بعض الطقوس لا تموت بسهولة، لكن بيلماون اْراه ذلك الزمن المقدس الذي يناجيه أهل سوس. حتى وإن تغيرت المدن والناس وأنماط العيش.
لكن “بيلماون” هذا اليوم لم يعد مجرد طقس قروي معزول داخل القرى الجبلية، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى حدث ثقافي وسياحي ودبلوماسي يستقطب الاهتمام داخل المغرب وخارجه، بعدما دخلت عليه تحولات عميقة مست بنيته الفنية والاجتماعية والرمزية.
في هذا الحوار الذي أجرته “إعلام تيفي”، مع محمد آيت بيهي، الباحث السوسيولوجي والفاعل الجمعوي من مدينة إمينتانوت، والذي فتح لنا باب الحديث عن التحولات التي عرفها “بيلماون”، وعن علاقته بالهوية والذاكرة والفرجة والسلطة، وكيف استطاع هذا الطقس القديم أن يعبر من المحلي إلى الكوني دون أن يفقد جذوره الأولى.
كيف انتقل “بيلماون” من طقس محلي في سوس إلى تظاهرة دولية؟
في الأصل، كان “بيلماون” مرتبطا بالمجتمع القروي وبالحياة الزراعية داخل المجال الأمازيغي، وكان يحمل أبعادا رمزية مرتبطة بالخصوبة والبركة والاحتفال الجماعي بعد عيد الأضحى. لذلك فالأمر لا يتعلق باحتفال عشوائي يظهر مباشرة بعد العيد، بل بطقس قديم له جذور عميقة داخل الثقافة الشعبية لشمال إفريقيا.
الباحث عبد الله حمودي يذهب إلى أن “بيلماون” يشكل امتدادا رمزيا للأضحية نفسها، لأن العيد يبدأ بفعل الذبح وينتهي بالاحتفال التنكري الجماعي، وكأن المجتمع ينتقل من لحظة المقدس إلى لحظة التحرر الجماعي والعودة إلى الحياة اليومية.
لكن مع التحولات الاجتماعية التي عرفها المغرب، خصوصا الهجرة نحو المدن واتساع المجال الحضري، بدأ “بيلماون” يغادر فضاءه التقليدي الضيق. وهنا لعبت جمعيات المجتمع المدني والفاعلون الثقافيون دورا مهما في إعادة تنظيمه وتطويره جماليا وفنيا، عبر اللوحات الاستعراضية والمجسمات المستوحاة من التراث الأمازيغي، إضافة إلى التنظيم المحكم الذي منح العائلات والجمهور شعورا أكبر بالأمان داخل الفضاء الاحتفالي.
كما أن الإعلام ساهم بشكل كبير في تغيير الصورة النمطية المرتبطة بـ”بيلماون”، بعدما ظل لفترة طويلة يختزل في الفوضى أو الخرافة، بينما هو في العمق طقس ثقافي معقد يحمل أبعادا اجتماعية ونفسية ورمزية. اليوم، أصبح “بيلماون” جزءا من الاقتصاد الثقافي والسياحي، وأصبح يقدم باعتباره تعبيرا عن التراث اللامادي المغربي داخل تظاهرات دولية مفتوحة على العالم.
إلى أي حد يمكن اعتبار “بيلماون” امتدادا لطقوس أمازيغية تاريخية؟
“بيلماون” يحمل في بنيته امتدادا واضحا لطقوس أمازيغية قديمة ارتبطت بالمواسم الزراعية والخصوبة والاحتفال الجماعي. لكنه في الوقت نفسه عرف عملية إعادة تشكيل حديثة فرضتها التحولات الاجتماعية والثقافية والإعلامية.
نحن أمام ظاهرة احتفظت بجزء كبير من رموزها القديمة، لكنها أعادت إنتاج نفسها داخل سياق حديث مرتبط بالمدينة والسياحة والمؤسسات الثقافية والإعلام. وهذا ما يجعل “بيلماون” يعيش اليوم نوعا من التوازن بين الوفاء للذاكرة والانفتاح على العصر.
الباحث إدوارد فسترمارك، مثلا، اعتبر أن هذه الطقوس تنتمي إلى الإرث الأمازيغي القديم في شمال إفريقيا، حيث يسمح الاحتفال للناس بالتحرر المؤقت من القيود الاجتماعية والدينية والعودة إلى الحياة اليومية بطريقة جماعية وفرجوية.
ماذا تكشف الأقنعة والحركات الاستعراضية عن المجتمع السوسي؟
القناع داخل “بيلماون” ليس مجرد أداة للتنكر أو عنصر للفرجة، بل يملك سلطة رمزية مؤقتة. الشخص الذي يرتدي الجلود يخرج بشكل مؤقت عن القواعد الصارمة للمجتمع، ويصبح قادرا على السخرية والنقد والتعبير بحرية أكبر.
هنا تظهر فكرة ما يمكن تسميته بـ”الفوضى المنظمة”، حيث يتم تعليق الفوارق الطبقية والاجتماعية بشكل مؤقت. فالفقير يستطيع أن يمازح الغني، والخائف يتحول إلى ساخر، والمجتمع يفرغ جزءا من توتراته عبر الضحك والمطاردة والفرجة الجماعية.
حتى الحركات العنيفة أحيانا لا يمكن قراءتها خارج هذا البعد الرمزي، لأنها تدخل ضمن نوع من العنف المقنن داخل فضاء احتفالي يسمح للمجتمع بالتنفيس الجماعي عن القلق والخوف والضغط الاجتماعي.
وفي إمينتانوت بالخصوص، لا يمكن فهم استمرار “بيلماون” دون فهم البنية الثقافية والفنية للمدينة نفسها. فهذه المنطقة ظلت تاريخيا فضاء غنيا بفنون أحواش والروايس وتسكوين والمواسم الشعبية، إضافة إلى الحضور القوي للمجموعات الفنية المحلية التي حافظت على الذاكرة الجماعية للمنطقة. لذلك لم يكن “بيلماون” طقسا معزولا، بل جزءا من منظومة ثقافية كاملة ظلت تقاوم النسيان.
هل يعد “بيلماون” جزءا من الفسيفساء الثقافية والهوياتية المغربية؟
بطبيعة الحال. “بيلماون” جزء من الرصيد الثقافي الأمازيغي الذي يشكل أحد الأعمدة الأساسية للهوية المغربية. والمغرب تاريخيا لم يكن بلدا أحاديا على المستوى الثقافي، بل تشكل دائما من تعدد الروافد واللغات والتعبيرات الفنية والاحتفالية.
لذلك لا ينبغي النظر إلى “بيلماون” باعتباره مجرد فرجة شعبية عابرة، لكن كتعبير ثقافي يحمل ذاكرة المجتمع وعلاقته بالأرض والاحتفال والإنسان.
وفي العالم كله توجد كرنفالات تؤدي الوظيفة نفسها، مثل كرنفال ريو دي جانيرو، حيث يتحول القناع إلى وسيلة للتحرر المؤقت من ضغوط الحياة اليومية والتعبير الجماعي عن الفرح والسخرية والنقد الاجتماعي.
فالفرجة ليست ترفا داخل المجتمعات، بل ضرورة نفسية وثقافية. وبدون فضاءات الفرجة، تفقد المجتمعات جزءا من توازنها النفسي والرمزي.
هناك من يعتبر “بيلماون” بدعة أو ممارسة غير مقبولة دينيا، كيف تنظرون إلى هذه الانتقادات؟
هذا النقاش ناتج غالبا عن سوء فهم طبيعة “بيلماون”. يجب أن نفرق بين الثقافة والعبادة. “بيلماون” ليس طقسا دينيا ولا ممارسة تعبدية، بل تعبير ثقافي وفرجوي مرتبط بالتراث الشعبي والهوية الجماعية.
الإسلام تاريخيا لم يكن في صراع مع الثقافات المحلية للشعوب، بل احتفظت المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ بأشكال متعددة من الفنون والاحتفالات الشعبية ما دامت لا تمس جوهر العقيدة.
صحيح أن بعض السلوكات الفردية، مثل التحرش أو العنف، قد تظهر أحيانا داخل بعض الاحتفالات، لكن هذه الظواهر لا ترتبط بجوهر “بيلماون”، بل ترتبط بأزمة أوسع تخص الفضاء العمومي والسلوك المجتمعي بشكل عام.
وفي النهاية، فإن حماية “بيلماون” لا تعني فقط حماية احتفال موسمي، بل حماية جزء من الذاكرة الجماعية للمغاربة ومن التراث الثقافي اللامادي الذي يعكس غنى وتنوع الهوية المغربية، وقدرة المجتمع على إعادة إنتاج ذاكرته داخل سياقات حديثة ومتغيرة.





