التامني: البرلمان لم يعد يراقب الحكومة.. بل يحرسها

حسين العياشي

خبر_لم يكن سقوط مطلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في ملف دعم استيراد المواشي واللحوم مجرد إجراء برلماني عابر، بل لحظة سياسية كاشفة، أعادت إلى الواجهة أسئلة ظلت معلقة منذ تفجر الجدل حول هذا الملف: لماذا ترفض الحكومة فتح أبواب التحقيق البرلماني؟ وما الذي يدفع أغلبيتها إلى الاصطفاف في كل مرة لإجهاض آلية دستورية وُجدت أساساً لاستجلاء الحقيقة؟

في خضم هذا السجال، خرجت النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء التامني، عن تحالف اليسار الديمقراطي، بانتقادات حادة اعتبرت فيها أن إسقاط لجنة تقصي الحقائق للمرة الثالثة يكشف حجم الهيمنة التي تمارسها الحكومة داخل المؤسسة التشريعية، ويعكس قدرة الأغلبية على تطويع موازين القوة البرلمانية كلما تعلق الأمر بملف يقترب من دائرة المساءلة السياسية.

وبلهجة لا تخلو من الاستنكار، تساءلت التامني عن سر هذا التخوف المستمر من لجنة تقصي الحقائق، معتبرة أن الحكومة لو كانت واثقة من سلامة تدبيرها للملف، ومن نزاهة الإجراءات التي صاحبت صرف الدعم العمومي، لكانت أول المرحبين بفتح تحقيق برلماني يضع حداً للشكوك المتزايدة ويقدم للرأي العام رواية موثقة ومدعمة بالمعطيات.

ففي تقديرها، لا يمكن لحكومة تؤكد صباح مساء أنها تصرفت بمنتهى الشفافية أن تنظر إلى تقصي الحقائق باعتباره تهديداً سياسياً. بل إن المنطق الديمقراطي يقتضي أن يشكل التحقيق فرصة لتأكيد ما تروجه من معطيات، لا مناسبة لحشد الأصوات وإغلاق الأبواب في وجه كل محاولة للكشف والتدقيق.

وترى البرلمانية أن الوقائع التي تكشفت خلال الأشهر الماضية لا تساعد على تبديد الشكوك، بل تغذيها. فالأرقام المتداولة بشأن الدعم، والمعطيات المرتبطة بمآلاته، والتصريحات الصادرة عن عدد من المسؤولين الحكوميين، بدت في أكثر من محطة متباعدة ومتضاربة، إلى درجة أن الرأي العام وجد نفسه أمام روايات متعددة يصعب الجمع بينها داخل سردية حكومية واحدة متماسكة.

ولم تتوقف التامني عند حدود انتقاد الحكومة، بل وسعت دائرة النقد لتشمل بعض البرلمانيين الذين، بحسب تعبيرها، تخلوا عن أدوارهم الرقابية وانحازوا إلى حماية السلطة التنفيذية بدل مراقبتها. فجوهر العمل البرلماني، كما تقول، لا يتمثل في توفير المظلة السياسية للحكومة، وإنما في الدفاع عن مصالح المواطنين وتتبع أوجه صرف المال العام ومساءلة المسؤولين عن نتائج السياسات العمومية.

وفي خلفية هذا الجدل، يبرز سؤال أكبر من مجرد لجنة تم إسقاطها أو طلب لم يكتب له أن يرى النور: كيف يمكن إقناع المواطنين بسلامة تدبير ملف أثار كل هذا القدر من الجدل، في الوقت الذي تُغلق فيه واحدة من أهم الآليات الدستورية المخصصة لكشف الحقيقة؟

ذلك أن إسقاط لجنة تقصي الحقائق قد يكون قد أنهى جولة برلمانية جديدة، لكنه لم ينهِ الأسئلة التي ما تزال معلقة في أذهان المغاربة. بل ربما منحها زخماً إضافياً، وجعل النقاش ينتقل من مساءلة تدبير الدعم إلى مساءلة الإرادة السياسية في كشف حقيقة ما جرى. وعندما تصبح الحقيقة نفسها محل نزاع، فإن كل محاولة لحجبها لا تبدد الشكوك، بل تضاعفها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى