تاريخ مواجهات المغرب والبرازيل.. من ثلاثية نانت إلى ملحمة طنجة التاريخية

زكرياء الروضي

لطالما اتسمت المواجهات بين المنتخب المغربي ونظيره البرازيلي بالندية الكبيرة، بل يمكن وصفها بالملاحم الكروية التي حبست الأنفاس، سواء اتخذت طابعاً ودياً أو رسمياً. تاريخياً، التقى الطرفان في ثلاث مناسبات؛ كانت الأولى ودية في أكتوبر 1997 بمدينة بيليم، وانتهت لصالح أصحاب الأرض.

وجاءت المواجهة الثانية بصبغة رسمية في مونديال فرنسا يونيو 1998، على أرضية ملعب نانت، حيث تفوق رفقاء الظاهرة رونالدو ودينيلسون على أسود الأطلس. أما فصل الملحمة الثالث والأبرز، فدارت أطواره في مارس 2023 بملعب طنجة الكبير، حين أطاحت كتيبة وليد الركراكي بمنتخب السيليساو في مباراة تاريخية فكّت من خلالها عقدة هذا العملاق العتيد.

بيليم 1997: المواجهة الأولى في أرض السامبا والاختبار الأول لكتيبة هنري ميشيل

في التاسع من أكتوبر عام 1997، وعلى أرضية ملعب “إدغاردو برولكس” بمدينة بيليم البرازيلية، كان المنتخب الوطني المغربي على موعد مع كتابة السطر الأول في كتاب مواجهاته ضد “السيليساو”. لم تكن المباراة مجرد لقاء ودي عابر، بل كانت اختباراً حقيقياً لجيل مغربي ذهبي يقوده الإطار الفرنسي الراحل هنري ميشيل، والذي كان يبحث عن قياس درجة جاهزية أسود الأطلس قبل المشاركة في مونديال فرنسا 1998.

ودخل المغرب المباراة بترسانة من النجوم يتقدمهم نخلة الدفاع نور الدين النيبت، والمايسترو مصطفى حجي، والمهاجم القناص صلاح الدين بصير، ليجدوا أنفسهم في مواجهة منتخب مرعب يضم أسماء بوزن كافو، وموريسيو غونزاليس، والظاهرة الصاعدة آنذاك دينيلسون.

واتسمت المباراة بندية كبيرة، حيث نجح التنظيم التكتيكي الصارم لهنري ميشيل في امتصاص الحماس البرازيلي المندفع بمؤازرة جماهيرية غفيرة تجاوزت 45 ألف متفرج. ورغم الانضباط الدفاعي للأسود والاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة التي كادت أن تهز شباك الحارس البرازيلي زيتي في أكثر من مناسبة، إلا أن الفوارق الفردية حسمت الموقف في الأنفاس الأخيرة.

واستغل النجم البرازيلي دينيلسون، الذي كان حينها أغلى لاعب في العالم، هفوتين دفاعيتين ناتجتين عن الإرهاق البدني والشرود الذهني في الدقائق الأخيرة (الدقيقة 80 والدقيقة 88) ليحرز هدفي اللقاء وتنتهي المباراة بنتيجة هدفين دون مقابل لصالح المنتخب البرازيلي.

ورغم الخسارة، خرج المنتخب المغربي من هذه المواجهة بمكاسب معنوية وتكتيكية هائلة، حيث كانت هذه المباراة بمثابة بروفة تكتيكية التي منحت الأسود الثقة للظهور بالوجه المشرف الذي أبهر العالم بعدها بأشهر قليلة بمونديال فرنسا 1998.

نانت 1998: الصدام المونديالي الرسمي وتكريس العقدة

في 16 يونيو 1998، احتضن ملعب “لا بوجوار” بمدينة نانت الفرنسية المواجهة الرسمية الوحيدة بين الطرفين، وذلك لحساب الجولة الثانية من منافسات المجموعة الأولى لمونديال فرنسا. دخل المنتخب المغربي اللقاء بنقطة ثمينة من تعادله أمام النرويج 2-2، طامحاً لمقارعة حامل اللقب، لكنه اصطدم بالبرازيل في أوجها المرعب بقيادة المهاجم رونالدو “الظاهرة”.

ولم يمهل البرازيليون أسود الأطلس الكثير من الوقت لترتيب أوراقهم؛ حيث افتتح رونالدو التسجيل مبكراً في الدقيقة التاسعة إثر تمريرة حاسمة اخترقت العمق الدفاعي. ورغم المحاولات الشجاعة لكتيبة هنري ميشيل بقيادة مصطفى حجي وسعيد شيبا لمبادلة الهجمات وإيجاد ثغرات في دفاع منتخب السامبا، إلا أن الفعالية الهجومية والواقعية البرازيلية حسمت الموقف قبل صافرة نهاية الشوط الأول، وتحديداً في الدقيقة 45 عبر النجم ريفالدو الذي أضاف الهدف الثاني.

ومع مطلع الشوط الثاني في الدقيقة 50، أطلق المخضرم بيبيتو رصاصة الرحمة بالهدف الثالث بعد مجهود فردي من رونالدو، لتنتهي المباراة بثلاثية نظيفة. لتشكل هذه الخسارة درساً قاسيّاً للأسود في الواقعية الكروية، لكنها ظلت محطة تاريخية حفرت اسم المغرب في سجلات المواجهات المباشرة ضد أعظم جيل في تاريخ الكرة البرازيلية الحديث.

طنجة 2023: ملحمة كسر العقدة وإيقاف الهيمنة البرازيلية

في 25 مارس 2023، غصّت مدرجات الملعب الكبير بطنجة بأزيد من 65 ألف متفرج، ليشهدوا فصلاً غير مسبوق في تاريخ الكرة العربية والإفريقية. دخل المنتخب المغربي اللقاء منتشياً بإنجازه التاريخي كرابع العالم في مونديال قطر، مستقبلاً منتخب “السيليساو” المصنف أولاً عالمياً آنذاك، في مواجهة عنونت مرحلة جديدة من الندية والثقة لكتيبة المدرب وليد الركراكي.

ولم يكن أسود الأطلس مجرد منافس شرفي في هذه المواجهة، بل فرضوا أسلوبهم الهجومي منذ البداية، ليتوج سفيان بوفال السيطرة المغربية بهدف تاريخي في الدقيقة 29 بعد جملة تكتيكية رائعة داخل منطقة الجزاء. وفي الشوط الثاني، استغل النجم البرازيلي كاسيميرو هفوة حارس المرمى ليسجل هدف التعادل للسامبا في الدقيقة 67.

ورغم الهدف لم تنكسر عزيمة الأسود، إذ نجح البديل عبد الحميد صابيري في إطلاق قذيفة مدوية في الدقيقة 79 استقرت في الشباك البرازيلية، معلنةً فوز المغرب بنتيجة 2-1. ليطلق بعدها حكم المباراة صافرة النهاية نتجت عنها فرحة عارمة في المدرجات، لتدون رسمياً أول انتصار تاريخي لمنتخب عربي على البرازيل، لتتحول عروس الشمال إلى مسرح لكسر عقدة دامت لعقود.

بين إرث وعقبات الماضي وطموح المستقبل

أثبتت فصول المواجهة بين المغرب والبرازيل أن الفجوة الكروية التي كانت تفصل “الأسود” عن عمالقة العالم قد تلاشت. فمن اصطدام جيل 1998 أمام واقعية السامبا، إلى ملحمة طنجة عام 2023، كسر المغرب حاجز الهيبة التاريخي وكتب صفحة جديدة من الندية الكاملة. ومع تكرار هذه المواجهات الكبرى في المحافل الدولية، يبقى السؤال الملح الذي يشغل بال الجماهير: هل يملك أسود الأطلس اليوم التوليفة التكتيكية والجرأة الذهنية لتكرار ملحمة طنجة والإطاحة بالسيليساو مجدداً في مواجهة اليوم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى