العمل الحر .. فرصة للشباب أم بديل هش عن الوظيفة؟

فاطمة الزهراء ايت ناصر

يشهد سوق الشغل في المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة، أبرزها توسع نمط العمل الحر أو ما يُعرف بالـFreelance، كبديل متنامٍ عن الوظيفة التقليدية داخل المؤسسات العمومية أو الخاصة.

هذا التحول لم يعد مجرد خيار فردي لبعض الشباب، بل أصبح ظاهرة مرتبطة بتغيرات أعمق في بنية الاقتصاد وسوق العمل، مدفوعة بالرقمنة، وتوسع الاقتصاد المنصاتي، وارتفاع نسب البطالة في صفوف الخريجين.

وتشير دراسات حديثة حول الاقتصاد الرقمي وسوق الشغل في المغرب إلى أن العمل عبر المنصات الرقمية لم يعد نشاطا هامشيا، بل أصبح يشكل جزءا من دينامية جديدة في التشغيل، خصوصا لدى فئة الشباب الذين يمتلكون مهارات رقمية في مجالات مثل التصميم، البرمجة، التسويق الرقمي وصناعة المحتوى.

غير أن هذه الدراسات نفسها تؤكد أن هذا النوع من العمل يظل مرتبطا بهشاشة واضحة على مستوى الاستقرار المهني، وضعف الحماية الاجتماعية، وغياب الإطار القانوني المنظم لوضعية العاملين المستقلين.

في المقابل، يبرز جانب آخر من هذا التحول يتمثل في الانفتاح على أسواق العمل العالمية عبر منصات مثل العمل الحر الدولية، ما أتاح لفئة من الشباب المغربي إمكانية تحقيق دخل بالعملة الصعبة والتعامل مع زبناء خارج المغرب، وهو ما أعاد تعريف مفهوم الوظيفة التقليدية القائم على عقد دائم ومكان عمل ثابت.

لكن هذا الانفتاح الرقمي لا يلغي التحديات المرتبطة بتقلب الدخل، وصعوبة ضمان الاستمرارية، والمنافسة العالمية الشرسة التي لا تعترف إلا بالكفاءة والقدرة على التكيف المستمر.

وتوضح تقارير بحثية في هذا المجال أن الإشكال الأساسي في العمل الحر لا يتعلق فقط بخلق فرص دخل، بل بمدى استدامتها وقدرتها على توفير حد أدنى من الأمان الاجتماعي.

فغالبا ما يشتغل المستقلون خارج أي نظام تغطية صحية أو تقاعد أو حماية قانونية، ما يجعلهم في وضع هش مقارنة بالعاملين في الوظيفة التقليدية، رغم ما يبدو من حرية ومرونة في نمط العمل.

ويرى عدد من الباحثين أن توسع هذا النمط من التشغيل يعكس في العمق أزمة بنيوية في سوق العمل المغربي، حيث لا تستطيع الوظيفة التقليدية استيعاب الكم المتزايد من الخريجين، ما يدفع جزءا من الشباب إلى البحث عن بدائل ذاتية تعتمد على المهارة الفردية والإنترنت.

غير أن هذا الحل الفردي، رغم واقعيته، لا يعالج جذور المشكلة المرتبطة بخلق فرص شغل مستقرة داخل الاقتصاد الوطني.

أمام هذا الوضع، يتزايد النقاش حول ضرورة إعادة التفكير في السياسات العمومية المرتبطة بالشغل، من خلال إدماج العاملين المستقلين ضمن أنظمة قانونية واضحة، وتوفير حماية اجتماعية مرنة تتلاءم مع طبيعة العمل غير المستقر، إضافة إلى تعزيز التكوين في المهارات الرقمية وربط التعليم بمتطلبات الاقتصاد الجديد.

فبدون هذا التأطير، قد يتحول العمل الحر من فرصة للتمكين الاقتصادي إلى شكل جديد من الهشاشة المقننة.

وبين ما يتيحه العمل الحر من فرص للانفتاح والاستقلال، وما يفرضه من مخاطر عدم الاستقرار، يبدو أن سوق الشغل في المغرب يتجه نحو نموذج أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الحرية مع اللايقين، وتصبح فيه المهارة الفردية عاملاً حاسماً في تحديد المسار المهني، في ظل غياب ضمانات مؤسساتية كافية تحمي هذا التحول وتضمن استدامته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى