البنك الدولي: المدن المغربية قادرة على خلق وظائف إضافية.. لكن بشروط

حسين العياشي

تقرير_ حوِّل البنك الدولي الأنظار إلى المدن المغربية، معتبرا أنها لا تفتقر إلى الإمكانات بقدر ما تفتقر إلى السياسات الحضرية القادرة على إطلاق طاقتها الكامنة. ففي وقت تستعد فيه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لاستقبال نحو 300 مليون شاب سيدخلون سوق الشغل بحلول سنة 2050، يرى التقرير أن مستقبل التشغيل لن يُصنع داخل مكاتب الإدارات، بل في المدن التي تنجح في استثمار كثافتها السكانية وربطها بالأسواق وجعلها فضاءات جاذبة للاستثمار والإنتاج.

ويضع التقرير، الصادر حديثا عن البنك الدولي تحت عنوان “مدن تعمل: إطلاق إمكانات التشغيل في مدن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”، المغرب أمام فرصة اقتصادية وازنة، إذ تشير تقديراته إلى أن تحسين السياسات الحضرية قد يرفع معدل التشغيل في المدن المغربية بنحو 10 في المائة، مع زيادة الإنتاجية بحوالي 6 في المائة، وهي أرقام تعكس، بحسب التقرير، هامشا واسعا غير مستغل للنمو وخلق فرص الشغل.

ولا يربط التقرير هذا الطموح بضخ مزيد من الاستثمارات فحسب، بل بإعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها المدن. فبعد تحليل شمل 615 مدينة في منطقة “مينا” وأكثر من 8400 مدينة حول العالم، خلص إلى أن ربع الفوارق في الأداء الاقتصادي بين المدن لا تفسرها السياسات الوطنية أو البنية الاقتصادية، وإنما ترتبط بعوامل محلية، مثل جودة التخطيط الحضري، وتوفر البنيات التحتية، وسهولة الولوج إلى الأسواق.

ورغم أن المدن المغربية تمثل القلب الاقتصادي للمملكة، إذ تحتضن معظم السكان والمؤسسات والاستثمارات، فإن التقرير يعتبر أنها لم تبلغ بعد مستوى الكفاءة الذي يؤهلها للقيام بدورها الكامل في خلق الثروة وفرص العمل. فالتمدن المتسارع، بحسب الوثيقة، لم يواكبه دائما الاستثمار الكافي في الطرق، وشبكات الماء والكهرباء، والخدمات الأساسية، وهو ما حدّ من قدرة عدد من المدن على تحويل كثافتها السكانية إلى قوة إنتاجية حقيقية.

وفي هذا السياق، يرصد التقرير سلسلة من الإكراهات التي تواجه المقاولات، من بينها صعوبة الولوج إلى العقار، واختلال خدمات الماء والكهرباء، فضلا عن مشاكل النقل في بعض الجهات، وهي عوامل لا تؤثر فقط في تنافسية المقاولات، بل تقلص أيضا من جاذبية المدن للاستثمارات الجديدة. ويضيف إلى ذلك تحديا آخر يفرض نفسه بقوة، يتمثل في المخاطر المناخية، حيث يضع الدار البيضاء ضمن المدن المهددة بارتفاع منسوب المياه والفيضانات، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على النشاط الاقتصادي.

ويؤكد التقرير أن الموقع الجغرافي للمغرب يمنحه أفضلية يصعب تجاهلها، غير أن الاستفادة منها لا تزال دون المستوى المأمول. فوجود واجهة بحرية واسعة، وقرب الأسواق الأوروبية، واحتضان ميناء طنجة المتوسط، تشكل جميعها عناصر قوة يمكن أن تجعل المدن المغربية أكثر اندماجا في الاقتصاد العالمي. ويستشهد التقرير بتجربة ميناء طنجة المتوسط، التي رافقتها استثمارات في الطرق والسكك الحديدية، باعتبارها نموذجا يبرز كيف يمكن للبنيات اللوجستية أن تتحول إلى رافعة للتشغيل والنمو.

ولا يقف التشخيص عند حدود الاقتصاد والبنيات التحتية، بل يمتد إلى سوق السكن، الذي يعتبره التقرير أحد العوامل المؤثرة في حركة اليد العاملة. فضعف سوق الكراء في المغرب يحد، بحسب التقرير، من انتقال العمال نحو المدن التي توفر فرصا أفضل، في وقت لا تتجاوز فيه نسبة المساكن المعدة للإيجار 19.7 في المائة، وهو ما يقلص مرونة سوق الشغل ويحد من قدرة المدن على استقطاب الكفاءات. كما يبرز التقرير أن رفع مشاركة النساء في سوق العمل يظل من أبرز الفرص غير المستغلة، مشيرا إلى أن تحسين شبكات الطرق داخل المدن يرتبط بارتفاع نسب تشغيل النساء.

ومن زاوية أخرى، يدعو التقرير إلى التخلي عن المقاربة الموحدة في تدبير المدن، مؤكدا أن لكل مدينة أولوياتها الخاصة. فالمدن الكبرى، مثل الدار البيضاء والرباط، مطالبة بالتركيز على الابتكار وجذب الاستثمارات ومعالجة آثار الاكتظاظ وارتفاع كلفة السكن، بينما تحتاج المدن المتوسطة إلى تعزيز خدماتها الأساسية وربطها بشكل أفضل بالأسواق، مع استثمار خصوصياتها الاقتصادية، سواء في الصناعة أو السياحة أو الفلاحة.

كما يلفت التقرير الانتباه إلى مفارقة لافتة، تتمثل في أن الشركات الكبرى تظل المحرك الأساسي لخلق فرص الشغل في المغرب، خلافا لما هو سائد في مناطق أخرى من العالم، غير أن عددها يبقى محدودا، كما أن نسبة الشركات الأجنبية لا تتجاوز 2.6 في المائة، وهو ما يحرم الاقتصاد الوطني من مكاسب إضافية مرتبطة بنقل التكنولوجيا وتعزيز الإنتاجية.

ويخلص البنك الدولي إلى أن المغرب يمتلك قاعدة حضرية تؤهله لاحتلال موقع متقدم داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، غير أن الحفاظ على هذا الموقع وتطويره يقتضي الانتقال من إدارة التوسع العمراني إلى إدارة النمو الاقتصادي داخل المدن. فالتحدي، في نظر التقرير، لم يعد يتمثل في بناء مدن أكبر، بل في بناء مدن أكثر قدرة على إنتاج الثروة واحتضان الاستثمارات وخلق فرص العمل، في زمن أصبحت فيه المدينة، أكثر من أي وقت مضى، عنوانا للتنافسية ومفتاحا للتنمية المستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى