
بشرى عطوشي
تحليل _ حين يصبح فوز فريقٍ ما أكبر من حدود الرياضة، ويتحوّل إلى لحظة انتصار رمزية لملايين البشر الذين لا ينتمون إليه وطنياً، فإننا نكون أمام ظاهرة اجتماعية وسياسية تستحق التوقف عندها.
هذا ما حدث مع المنتخب المغربي لكرة القدم، الذي لم يعد مجرد منتخب يمثل المغرب، بل أصبح في نظر كثيرين من شعوب الجنوب العالمي تجسيداً لحلم الانتصار على موازين القوة التقليدية.
بين الكرة والكرامة.. لماذا وجدت شعوب العالم النامي نفسها في انتصارات المنتخب المغربي؟
في كل مرة يخوض فيها المنتخب المغربي مباراة كبرى، تتكرر المشاهد ذاتها على منصات التواصل الاجتماعي: عائلات في أحياء شعبية بإفريقيا، وشباب في مدن عربية، ومهاجرون في أمريكا اللاتينية وآسيا، يجلسون أمام الشاشات بترقب شديد، ثم ينفجرون فرحاً عند كل انتصار مغربي وكأن الفريق يمثل أوطانهم هم أيضاً.
قد تبدو هذه الظاهرة للوهلة الأولى مجرد تعاطف رياضي عابر، لكنها في حقيقتها أعمق بكثير من ذلك. إنها تعبير عن شعور جمعي لدى شعوب عديدة عاشت لعقود طويلة في ظل اختلالات اقتصادية وسياسية جعلتها تشعر بأنها تقف دائماً في الصف الخلفي للنظام العالمي.
لقد اعتادت شعوب العالم النامي مشاهدة القوى الكبرى وهي تتصدر المشهد الدولي في الاقتصاد والتكنولوجيا والعلوم والصناعة والنفوذ السياسي، بينما بقيت الدول النامية في موقع المتلقي أو التابع. ومع تراكم الإخفاقات التنموية والأزمات الاجتماعية، أصبح البحث عن رموز النجاح والانتصار حاجة نفسية وجماعية ملحة.
في هذا السياق برز المنتخب المغربي باعتباره أكثر من مجرد فريق كرة قدم. لقد تحول إلى رمز لإمكانية كسر القواعد التقليدية التي تحكم موازين القوة العالمية. فعندما يهزم منتخب قادم من الجنوب فرقاً تمثل دولاً تعد من بين الأقوى اقتصادياً وسياسياً ورياضياً، فإن الرسالة التي تصل إلى ملايين المشاهدين تتجاوز حدود المستطيل الأخضر: الضعيف قادر على الانتصار، والمتأخر قادر على المنافسة، والهامش قادر على إرباك المركز.
ولعل أحد أهم أسباب هذا التعلق الجماهيري هو أن قصة المنتخب المغربي تشبه إلى حد بعيد قصة العديد من شعوب العالم النامي نفسها. فالفريق لم يصل إلى مكانته الحالية بفضل إمكانيات لا محدودة، بل عبر مسار طويل من البناء والتطوير والتحديات. ولذلك رأت فيه تلك الشعوب انعكاساً لذاتها وطموحاتها وأحلامها المؤجلة.
كما أن نجاح المغرب جاء في لحظة تاريخية تتسم بتزايد الشعور العالمي بعدم العدالة في توزيع الثروة والفرص والنفوذ. ففي عالم ما تزال فيه الفجوة واسعة بين الشمال والجنوب، وجد كثيرون في انتصارات المغرب نوعاً من التعويض الرمزي عن هزائمهم اليومية في مجالات أخرى.
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز هذا الشعور. فالمشاهد التي أظهرت جماهير من جنسيات مختلفة تحتفل بأهداف المغرب أو ترفع العلم المغربي لم تكن مجرد لقطات احتفالية، بل كانت تعبيراً عن حالة وجدانية مشتركة. لقد شعر الملايين بأنهم يشاركون في قصة نجاح تخصهم جميعاً، حتى وإن لم يحملوا الجنسية المغربية.
ومن الأسباب الأخرى التي عززت هذا الالتفاف الشعبي الصورة الإنسانية التي قدمها المنتخب المغربي. فالمشاهد المرتبطة بالعائلة والوالدين والاعتزاز بالهوية الثقافية والدينية منحت الفريق بعداً إنسانياً جعل كثيرين يتعاطفون معه بعيداً عن الحسابات الرياضية البحتة.
لقد وجد ملايين الأشخاص في المغرب ما يشبه “الانتصار بالوكالة”. فحين تعجز أوطانهم عن تحقيق اختراقات كبرى في الاقتصاد أو السياسة أو التنمية، يصبح انتصار منتخب قادم من البيئة نفسها انتصاراً معنوياً لهم أيضاً. ومن هنا يمكن فهم مشاهد الفرح التي خرجت من منازل وشوارع لا تربطها بالمغرب أي رابطة جغرافية مباشرة.
ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحويل كرة القدم إلى بديل عن التنمية، بل في استثمار هذا الرصيد الرمزي لإثبات أن النجاح ليس حكراً على أحد، فالقيمة الحقيقية لما حققه المنتخب المغربي لا تتمثل فقط في عدد المباريات التي فاز بها، بل في الرسالة التي بعثها إلى ملايين الشباب في العالم النامي: ” الفجوة مع الكبار ليست قدراً محتوماً، وأن الإرادة والتنظيم والعمل يمكن أن تصنع المعجزات”.
لهذا السبب لم تكن انتصارات المنتخب المغربي مجرد أفراح رياضية عابرة، بل تحولت إلى لحظة أمل جماعي نادرة، وجدت فيها شعوب كثيرة نفسها وهي ترى، ولو لبرهة، أن بإمكان الجنوب أن ينتصر على الشمال، وأن بإمكان الحلم أن يهزم الواقع.





