أكثر من مباراة… حين انتصر المغرب وانتصرت الفكرة

سعيد كان

رأي_في كرة القدم، تحسم المباريات بالأهداف. أما في حياة الشعوب، فبعض الانتصارات ُقاس بما تتركه من أثر في الوعي الجماعي، لا بما تضيفه إلى رصيد النقاط.

ما حققه المنتخب المغربي أمام هولندا في كأس العالم لم يكن مجرد انتصار رياضي يضاف إلى سجل الإنجازات. كان لحظة كشفت، مرة أخرى، أن كرة القدم قادرة على أن تكون مرآة للمجتمعات، وأن تحمل رسائل تتجاوز المستطيل الأخضر إلى أسئلة الهوية والانتماء والمصير المشترك.

يكفي أن تتابع ردود الفعل بعد صافرة النهاية لتدرك أن الفرح لم يتوقف عند الحدود المغربية. من عواصم عربية إلى مدن إفريقية، خرجت رسائل التهاني والاحتفاء، وكأن المنتخب المغربي لم يكن يمثل بلدا واحدا فقط، بل جسد أملا مشتركا لدى شعوب تبحث، وسط عالم يزداد انقساما، عن قصة نجاح تستطيع أن تتبناها.

قد يقول البعض إن الأمر مجرد حماس كروي عابر، لكن التاريخ يعلمنا أن الرياضة كانت دائما أكثر من منافسة. لقد أسهمت في كسر حواجز سياسية، وداوت جراحا اجتماعية، وصنعت صورا بقيت في الذاكرة أكثر من خطابات السياسيين أنفسهم.

ومن بين كل مشاهد المباراة، بدا هدف عيسى أكثر من مجرد هدف أعاد المغرب إلى اللقاء. ففي لاعب ولد من أم مغربية وأب سنغالي تختصر الحكاية نفسها. حكاية بلد لم يكن انتماؤه الإفريقي يوما خيارا سياسيا، بل حقيقة جغرافية وتاريخية وثقافية وإنسانية.

في الأشهر الأخيرة، علت أصوات حاولت أن تجعل العلاقة معالمهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء عنوانا للتوتر، وأن تقدم صورة توحي بأن المغرب ينغلق على محيطه الإفريقي. غير أن الواقع أكثر تعقيدا، وأكثر عمقا من أي خطاب متشنج أوحادثة معزولة.

جاءت كرة القدم لتقدم صورة أخرى؛ لاعب يحمل دما مغربيا وسنغاليا ينقذ المنتخب، وجماهير إفريقية تعتبر فوز المغرب انتصارا لها أيضا. هنا تتراجع الشعارات، وتتقدم الحقائق. فالهوية ليست نقاء عرقيا، ولا الانتماء جواز سفر فقط، بل قدرة على بناء وطن يتسع لتعدد روافده.

هذه هي القوة الحقيقية للمغرب. لم يكن عبر تاريخه بلدا منغلقا، بل نقطة التقاء بين إفريقيا والعالم العربي والبحر الأبيض المتوسط. وكلما نجح في تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة، كان أكثر حضورا وتأثيرا.

لهذا، فإن قيمة هذا الانتصار لا تكمن فقط في نتيجته الرياضية، وإنما في الرسائل التي حملها دون أن يتعمد ذلك. لقد ذكرنا بأن ما يجمع شعوب هذه المنطقة لا يزال أكبر من الخلافات السياسية، وأن الهوية المركبة ليست عبئا، بل رصيدا استراتيجيا، وأن إفريقيا ليستالآخربالنسبة للمغرب، بل جزء من تعريفه لنفسه.

قد يخسر المنتخب مباراة أخرى، فهذا جزء من منطق الرياضة. لكن إذا نجح هذا الفوز في إعادة إحياء شعور بأننا أقوى حين ننظر إلى ما يجمعنا لا إلى ما يفرقنا، فإنه يكون قد حقق انتصارا لن يمحوه الزمن بسهولة.

وهنا، ربما، تكمن القيمة الحقيقية لكرة القدم: أنها تمنحنا، بين حين وآخر، فرصة نادرة لنرى أنفسنا كما يمكن أن نكون، لا كما تفرض علينا الانقسامات أن نبدو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى