عزيز رباح على “صوت الحقيقة”: أخنوش حاول التأثير علي.. كان يزور مكتبي مرارا بصفته مستثمرا في قطاع الغاز لكن التوجيهات الملكية كانت مرجعيتي

المهدي سابق

خبر _ بعيدا عن الأضواء، وفي مرحلة كانت الدولة تعيد فيها رسم مستقبل قطاع الغاز الطبيعي بالمغرب عبر إعداد أحد أهم النصوص التشريعية المنظمة له، كانت أبواب مكتب وزير الطاقة والمعادن تستقبل زيارات مرتبطة بملفات استثمارية في قطاع المحروقات. وبعد سنوات، عاد وزير الطاقة والمعادن الأسبق عزيز الرباح ليكشف جانباً من كواليس تلك المرحلة، مقدما معطيات تعيد فتح النقاش حول العلاقة بين القرار العمومي والمصالح الاقتصادية، وتدبير تضارب المصالح داخل الحكومة.

 

وخلال استضافته في برنامج “صوت الحقيقة” الذي يقدمه الصحفيان أشرف بلمودن والمهدي سابق على موقع “إعلام تيفي”، وضع عزيز الرباح أمام سؤال مباشر من الصحفي أشرف بلمودن حول ما كان يروج داخل الوزارة بشأن حضور مسؤول حكومي كبير إلى مكتبه للضغط من أجل تمرير بعض القوانين، قبل أن يوضح الصحفي أن المقصود هو عزيز أخنوش.

ورد الرباح بالإقرار بأن عزيز أخنوش كان يحضر إلى مكتبه الوزاري أكثر من مرة، موضحا أن ذلك كان بصفته مستثمرا في قطاع المحروقات، مضيفا أن مسؤولين تابعين للمجموعة الاقتصادية التي يملكها كانوا بدورهم يتواصلون مع وزارة الطاقة لتتبع ملفات مرتبطة باستثماراتهم، شأنهم شأن باقي المستثمرين العاملين في القطاع.

وأوضح الوزير الأسبق أن وزارة الطاقة كانت تعتمد مسطرة إدارية واضحة لمعالجة ملفات المستثمرين، حيث كان الديوان يشكل لجنة لدراسة الطلبات والإشكالات المطروحة، قبل أن يتدخل شخصيا عندما يتعذر الوصول إلى حل. غير أن هذا التفسير لم يلغ حساسية الوقائع التي كشفها، خاصة وأن أخنوش لم يكن مجرد مستثمر، بل كان في الوقت نفسه وزيراً داخل الحكومة، بينما كانت وزارة الطاقة تتولى إعداد القوانين المنظمة لقطاع تنشط فيه مجموعته الاقتصادية.

وعندما سأله أشرف بلمودن عما إذا كان قد تعرض لضغوط من عزيز أخنوش لخدمة مصالح شركته، أكد الرباح أنه كان يواجه أخنوش ومسؤولي مجموعته بالتشديد على أن مرجعيته الوحيدة هي تعليمات الملك محمد السادس والدستور والقانون. كما كشف، في السياق نفسه، عن تعرضه لضغوط عبر أسئلة برلمانية كانت توجه إليه خلال تدبيره للقطاع، دون أن يكشف الجهات التي كانت تقف وراءها أو المصالح التي كانت تحركها.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة عند العودة إلى سنة 2017، وهي الفترة التي كان يشغل فيها عزيز الرباح منصب وزير الطاقة والمعادن، وأشرف خلالها على إعداد وتمرير مشروع القانون المنظم لقطاع الغاز الطبيعي. وبالعودة إلى مسودة المشروع، التي نشرتها الأمانة العامة للحكومة في إطار التشاور العمومي، يتبين أن النص كان يؤسس لأول إطار تشريعي متكامل لتنظيم سوق الغاز الطبيعي بالمغرب وتنفيذ المشروع الملكي “الغاز من أجل الكهرباء”.

وتظهر الوثائق الرسمية أن المشروع كان يرتبط بورش استراتيجي يهدف إلى إنشاء محطة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال بالجرف الأصفر، وربطها بأنبوب الغاز المغاربي الأوروبي عبر خط أنابيب يبلغ طوله حوالي 400 كيلومتر، إضافة إلى بناء محطتين لإنتاج الكهرباء بنظام الدورة المركبة بطاقة تصل إلى 1200 ميغاواط، باستثمارات قدرت بحوالي 4.6 مليارات دولار.

وبالرجوع إلى مواد المشروع، يتبين أن الباب الثالث المتعلق بنقل الغاز الطبيعي رسم ملامح إعادة هيكلة كاملة لهذا القطاع. فقد نصت المادة العاشرة على إحداث شركة خاصة تحمل اسم “شركة نقل الغاز الطبيعي”، تتولى حصرياً ممارسة أنشطة نقل الغاز الطبيعي، مع منحها امتيازاً من الدولة لتطوير وتمويل وبناء واستغلال وصيانة منشآت نقل الغاز الطبيعي على مجموع التراب الوطني.

كما منحت المادة الحادية عشرة إمكانية دخول الدولة في رأسمال الشركة صاحبة الامتياز، سواء بشكل مباشر أو عبر مؤسسة عمومية، من خلال المساهمة بالأصول والمنشآت التي تملكها في مجال نقل الغاز الطبيعي. في المقابل، شددت المادة الثانية عشرة على أن الشركة لا يجوز لها ممارسة أي نشاط آخر خارج مجال نقل الغاز.

كما خولت المادة الثالثة والستون للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب صلاحية الإعلان عن طلبات عروض لمنح امتيازات بناء واستغلال المنشآت الغازية الخاصة بالمشروع الملكي “الغاز من أجل الكهرباء”، فيما فتحت المادة الرابعة والستون الباب أمام إصدار النصوص التنظيمية اللازمة لتنزيل القانون.

وتفيد المذكرة التقديمية للمشروع بأن هذه الاختيارات جاءت بهدف تنويع مصادر الطاقة، والاستعداد لانتهاء عقود استيراد الغاز عبر الأنبوب المغاربي الأوروبي سنة 2021، وتقليص الاعتماد على الفحم الحجري، وتعزيز الأمن الطاقي للمملكة في ظل ارتفاع الطلب على الكهرباء.

وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة عند قراءتها إلى جانب تصريحات الرباح، ليس لأنها تثبت وجود تدخل غير قانوني أو حصول شركة معينة على امتياز خاص، إذ لم يصرح الرباح بذلك، وإنما لأنها تكشف طبيعة الورش التشريعي الذي كانت الوزارة تشرف عليه في الفترة نفسها التي قال فيها إن عزيز أخنوش كان يتردد على مكتبه بخصوص ملفات مرتبطة بشركته.

وتعيد هذه المعطيات النقاش حول كيفية تدبير تضارب المصالح، والحدود الفاصلة بين المسؤولية الحكومية والمصالح الاقتصادية الخاصة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاع استراتيجي يرتبط بالأمن الطاقي للمملكة وتتحرك داخله استثمارات بمليارات الدراهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى