الرميلي تبيع وعدا صحيا جديدا للمغاربة قبل الوفاء بوعد 2021.. أين “بطاقة رعاية” أم أن الوعود القديمة تسقط بالتقادم السياسي

مديحة المهادنة

خبر_خمس سنوات كانت كافية لاختبار الوعود، لا لإعادة تدويرها. ففي سنة 2021، خرجت نبيلة الرميلي، عضوة المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار وعمدة الدار البيضاء، لتقدم للمغاربة تصورا صحيا بدا يومها واضحا ومحددا: بطاقة ذكية تحمل اسم “رعاية”، تضع الملف الصحي للمواطن بين يديه، وتسمح له بالعلاج في مختلف مناطق المغرب، وتخفف عنه عبء الأداء المباشر للنفقات الطبية. اليوم، وبعد ولاية حكومية كاملة  وبكل جرأة  تعود الرميلي بخطاب جديد عن “الأداء بالثلث” و”لملف الطبي المرقمن”، بينما يفرض وعد 2021 سؤالا يصعب تجاوزه: أين انتهى التعهد السابق قبل مطالبة المواطنين بالثقة في تعهد جديد؟ اين بطاقة “رعاية ” ؟؟

المسألة لا تتعلق بذاكرة سياسية انتقائية أو باستحضار تصريح قديم خارج سياقه. في يونيو 2021، تقديم الرميلي لتفاصيل بطاقة “رعاية”، باعتبارها واحدة من الالتزامات الأساسية للبرنامج الانتخابي للحزب في قطاع الصحة. البطاقة، وفق ما قدمه الحزب آنذاك، كان يفترض أن تضم المعلومات الشخصية والطبية للمواطن، وسجل علاجاته ووصفاته، وأن تساعد على التكفل بالنفقات الصحية كليا أو جزئيا، بل إن الحزب تحدث عن منحها لكل مغربي.

الأمر لم يكن  مجرد فكرة عامة قابلة للتأويل. الرميلي شرحت سنة 2021 أن المواطن سيكون قادرا، بواسطة هذه البطاقة، على الانتقال من طبيب الأسرة إلى المركز الاستشفائي الجامعي، وأن ملفه الصحي سيكون متاحاً أينما وجد داخل المغرب. كما قُدمت “رعاية” باعتبارها آلية يفترض أن تخفف من الأداءات المباشرة، وتُنهي جانباً من معاناة المرضى المرتبطة بضمان تكاليف العلاج. وحتى البرنامج الحكومي الذي أعقب انتخابات 2021 استحضر إحداث بطاقة “رعاية” ضمن وعود تسهيل التكفل بالنفقات الصحية.

لكن في 2026، تغيرت المفردات وعاد المضمون نفسه تقريبا إلى الواجهة. الرميلي تتحدث هذه المرة عن ضرورة إحداث ملف طبي مرقمن لكل مواطن، يسمح للمستشفى، سواء في الدار البيضاء أو فاس أو غيرهما، بالاطلاع على تاريخ المريض وأدويته وفحوصاته بمجرد إدخال معطياته التعريفية. والسؤال هنا ليس عن أهمية الرقمنة، فهي ضرورة لا خلاف عليها، بل عن سبب تقديم فكرة قريبة جداً مما وُعد به المغاربة قبل خمس سنوات كما لو أنها بداية جديدة.

الأكثر إثارة للانتباه هو أن الرميلي ربطت العرض الجديد بطلب تجديد الثقة، مستخدمة منطق “بدأنا ونكملوا”. وهنا تحديدا يصبح النقاش سياسيا بامتياز: ما الذي بدأ فعلاً؟ وما الذي اكتمل من الالتزامات السابقة؟ وإذا كانت “بطاقة رعاية” قد قدمت سنة 2021 باعتبارها تحولا في علاقة المواطن بالمنظومة الصحية، فلماذا لا يحضر اليوم تقييم واضح لما تحقق منها، قبل الانتقال إلى تسويق “الملف الطبي المرقمن” باعتباره التغيير الجذري المقبل؟

حتى مقترح “الأداء بالثلث”جاء مصحوبا بارتباك لافت في الشرح. فحين ضرب مثال بفاتورة قيمتها 3000 درهم، قيل إن المواطن لن يؤدي سوى 500 درهم، رغم أن ثلث 3000 درهم هو 1000 درهم. قد يكون الأمر زلة في التعبير، لكنه في خطاب يقدم إجراءً مالياً يمس مباشرة جيب المواطن، يطرح سؤالاً مشروعاً حول دقة الأرقام وطريقة تقديمها للناخبين.

المشكلة، ليست في أن يقدم حزب سياسي برنامجا جديدا أو يطور مقترحاته؛ فهذا جزء طبيعي من التنافس السياسي. المشكلة تبدأ عندما تُطرح تعهدات جديدة من دون تقديم حصيلة مفصلة للتعهدات القديمة: ماذا تحقق؟ ماذا تعثر؟ ولماذا؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ فالثقة التي تطلبها الأحزاب في كل محطة لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بربط الوعد بالنتيجة.

وبالنسبة للتجمع الوطني للأحرار، لا يمكن التعامل مع وعود 2021 كما لو أنها صفحة أغلقت بمجرد انتهاء الحملة الانتخابية. الحزب تصدر انتخابات 8 شتنبر 2021 بـ102 مقعد، وتولى رئاسة الحكومة، أي إنه انتقل من موقع اقتراح البرنامج إلى موقع امتلاك أدوات تنفيذ جزء مهم منه.

لهذا، فإن عودة نبيلة الرميلي اليوم للحديث عن رقمنة الملف الصحي وتقليص ما يؤديه المواطن للعلاج لا تحتاج فقط إلى التصفيق لفكرة جديدة، بل إلى جواب عن وعد قديم: أين “بطاقة رعاية”التي وُعد بها كل مغربي سنة 2021؟

قبل أن يُطلب من المواطن أن يمنح ثقته مرة أخرى، من حقه أن يعرف أولاً ماذا حدث للثقة التي منحها في المرة السابقة. ففي السياسة، لا ينبغي أن تكون كل انتخابات نقطة صفر جديدة، ولا أن تتحول الوعود غير المنجزة إلى وعود جديدة بأسماء مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى