وثائق مدريد المحررة من السرية تحاصر رواية سانشيز.. تحذيرات سبقت أزمة سبتة المحتلة ومعطيات رسمية كشفت تصاعدا خطيرا

مديحة المهادنة

متابعة_وضعت الوثائق الرسمية التي نشرتها الحكومة الإسبانية بشأن أزمة سبتة المحتلة رواية رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أمام تناقضات لافتة، بعدما كشفت أن أجهزة أمنية واستخباراتية كانت تتعامل، قبل أحداث 30 يوليوز، مع مؤشرات متقدمة على ارتفاع الضغط الهجري واحتمال وقوع عمليات دخول جماعية، خلافا للصورة التي قدمها سانشيز أمام البرلمان باعتبار ما حدث تحولا مفاجئا يصعب توقعه.

وكان سانشيز قد أكد، خلال مثوله أمام مجلس النواب في 3 شتنبر، أن التقارير والرسائل والتنبيهات التي توصلت بها السلطات لم تتجاوز، في تقديره، وصف المعطيات أو التحذيرات الروتينية، مشددا على أن أرقام يوليوز، رغم ارتفاعها، لم تكن تعكس نمط نمو خطيا أو متسارعا يسمح بتوقع حجم ما وقع يومي 30 و31 من الشهر نفسه.

غير أن الوثائق التي أتاحتها رئاسة الحكومة الإسبانية نفسها للعموم، ضمن حزمة تضم 40 تقريرا وتنبيها ومراسلة صادرة عن الشرطة والحرس المدني والمخابرات ومؤسسات أخرى، تكشف أن مستوى القلق داخل بعض أجهزة الدولة كان أكبر مما أوحت به تصريحات رئيس الحكومة.

ففي 29 يوليوز، كان المركز الوطني للهجرة والحدود التابع للشرطة الإسبانية قد أعد تحليلا خاصا لتقييم مخاطر وقوع اقتحام جماعي للسياج الحدودي بسبتة أو عمليات عبور سباحة خلال الأيام الأخيرة من الشهر. ولم يكتف التقرير برصد ارتفاع أعداد العابرين، بل سجل وجود اتصالات داخل مجموعات لمهاجرين تتحدث عن تنظيم دخول جماعي براً وبحراً بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من الضغط والارتباك.

الأرقام الواردة في الوثيقة نفسها تبدو بدورها بعيدة عن توصيف الوضع باعتباره مجرد ارتفاع موسمي عادي. فقد سجل مركز الهجرة والحدود 921 حالة عبور سباحة إلى سبتة خلال الفترة الممتدة من فاتح إلى 28 يوليوز، واعتبر أن هذه الطريقة باتت “مصدر الخطر الرئيسي” في المنطقة، مع حديث صريح عن اتجاه تصاعدي حاد مقارنة بالسنة السابقة واعتبار الوضع “تهديدا قائماً وذا أولوية”.

الأكثر دلالة أن خلاصات التقرير صنفت خطر العبور سباحة في مستوى “مرفع جدا”، وسجلت وجود “إنذار مبكر” مرتبط ببيع بدلات الغوص والزعانف وتداول دعوات واتصالات بشأن عمليات دخول محتملة ومنسقة، وهو ما دفع المركز إلى التوصية بمراقبة معززة ومتواصلة للوضع.

كما تكشف المراسلات المنشورة أن جهاز المخابرات الإسباني أبلغ، في 29 يوليوز، مكتب مندوبية الحكومة بسبتة بوجود دعوات على شبكات التواصل لتنفيذ اقتحام عبر السياج والبحر في اليوم التالي، مشيرا إلى مجموعات يتجاوز مجموع متابعيها 180 ألف شخص. وفي اليوم نفسه، نقل الجهاز هذه المعطيات إلى وحدة بالحرس المدني، متحدثا عن معلومات بشأن محاولات دخول سباحة واقتحام للسياج.

هذه المعطيات لا تعني بالضرورة أن السلطات الإسبانية كانت قادرة على توقع الحجم النهائي غير المسبوق للأزمة بدقة، وهو ما يتمسك به سانشيز في دفاعه عن طريقة تدبير حكومته. لكنها تكشف في المقابل أن الحديث عن غياب مؤشرات استثنائية أو عن مجرد “تنبيهات روتينية” يحتاج إلى مراجعة، بعدما أظهرت الوثائق الرسمية وجود تقديرات أمنية تتحدث صراحة عن خطر مرتفع، ومؤشرات إنذار مبكر، واحتمال عمليات دخول جماعية ومنسقة.

وبذلك، حول قرار حكومة سانشيز رفع السرية عن الوثائق الملف من جدل سياسي قائم على الروايات المتعارضة إلى نقاش يستند إلى تقارير صادرة عن أجهزة الدولة نفسها؛ تقارير تطرح سؤالا أكثر إحراجا على الحكومة الإسبانية: إذا كانت مؤشرات الخطر قد رصدت قبل 30 يوليوز، فلماذا جرى تقديم الأزمة لاحقا باعتبارها تطورا مفاجئا لم يكن بالإمكان استباقه ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى