ولنا كلمة.. السياسة والأمتار الأخيرة

بقلم: ذ. المعاشي محمد كاتب وباحث وخبير في تشريع الشغل والعلاقات المهنية ومستشار اجتماعي وقانوني

الأمتار الأخيرة… وبعد كل ما قيل، الكلمة للمواطن لم تعد تفصلنا عن موعد الاقتراع إلا أمتار قليلة.

وعند منتصف ليلة 22 شتنبر، تسدل الحملة الانتخابية ستارها، وبعد ساعات، يوم 23 شتنبر 2026، يتوجه المواطنون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب.

خلال أيام الحملة، قيل الكثير: برامج، ووعود، وأرقام، وشعارات….

ونزل المرشحون ومسؤولو الأحزاب إلى الشوارع والأسواق والأحياء والتجمعات، واقتربوا من المواطنين، وكثرت المصافحات والصور والعناق ……

مشاهد قد تبدو عادية في زمن الانتخابات، لكنها تترك وراءها سؤالا بسيطا:

هل سيستمر هذا القرب بعد 23 شتنبر؟

هل سيظل المواطن قريبا من المرشحين الذين يطلبون ثقته اليوم، بالقدر نفسه عندما تنتهي الحملة، وتطوى اللافتات، وتجمع الكراسي والخيام، وتغلق الكراجات والمنازل التي فتحت لاستقبال الناخبين… وتعلن النتائج؟

وهل ستظل الأحزاب متشبثة ببرامجها ووعودها بالقوة نفسها التي دافعت بها عنها خلال الحملة؟

لكن، قبل أن نسأل الأحزاب عما ستفعله بعد الانتخابات، هناك سؤال آخر يسبق الاختيار نفسه:

هل كانت مدة الحملة (من 10 إلى 22 شتنبر 2026) كافية للإقناع والاقتناع؟

الحملة لا تجري كلها في المدن، ولا يصل الخطاب الانتخابي إلى جميع المواطنين بالطريقة نفسها، حيث هناك قرى ومناطق نائية ومتباعدة، وهناك ناخبون لا يستطيعون قراءة البرامج والمنشورات الانتخابية.

وهنا لا يكفي أن يمر المرشح ليسلم منشورا ويمضي، بل يقتضي التواصل الانتخابي أن يصل إلى الناخب، ويشرح له شفهيا، بلغة بسيطة ومفهومة، ما يتضمنه برنامجه وما يلتزم به، وأن يتيح له بدوره فرصة السؤال والتعبير عن انتظاراته.

فهل تكفي أيام الحملة، المحددة في 13 يوما، للوصول إلى هؤلاء، والإنصات إليهم، وشرح البرامج لهم، ثم إتاحة الوقت أمامهم للمقارنة وتكوين قناعتهم؟ أم أن الإقناع والاقتناع لا ينبغي أصلا أن يبدأ مع الحملة الانتخابية، لأن الثقة السياسية تبنى على امتداد سنوات، لا في الأمتار الأخيرة وحدها؟

ثم يأتي السؤال الأهم: على أي أساس سيبني المواطن اختياره؟

هل على البرنامج وما يتضمنه من التزامات؟

هل على حصيلة من سبق لهم تحمل مسؤولية التدبير؟

هل على المرشح، ومساره، وكفاءته، وقدرته على تمثيل المواطنين؟

هل على الانتماء الحزبي؟

هل على الخطابات والوعود التي سمعها خلال الحملة؟

أم على واقعه اليومي أيضا؟

على أسعار المواد الأساسية، وما تعنيه بالنسبة إلى قدرته الشرائية؟

على مستوى الأجور والمعاشات، ومدى قدرتها على مسايرة كلفة المعيشة؟

على واقع البطالة، ولا سيما بطالة الشباب، وعلى أسر ترى أبناءها حاصلين على الشهادات وقابعين في البيوت في انتظار فرصة عمل، أو باحثين عنها خارج الوطن؟

على فرص الشغل والاستثمار، وما تحقق منها على أرض الواقع؟

على جودة التعليم والصحة، وما تتحمله الأسر للحصول على خدمات تستجيب لانتظاراتها؟

على السكن وكلفته، وعلى ما يواجهه الشباب من صعوبات في بناء مستقبلهم والاستقرار في حياتهم؟

على أوضاع الأسرة، باعتبارها العمود الفقري للمجتمع، وما تواجهه من تحديات المعيشة والسكن والتعليم والصحة، وما يحيط بمستقبلها من انتظارات؟

وعلى ما تحقق من وعود سابقة، وما لم يتحقق منها، قبل الاستماع إلى وعود جديدة؟

الخ.

أم يقتضي الأمر أن يضع كل ذلك أمامه، ويقارن بين ما قيل له أثناء الحملة الانتخابية، وما عاشه، وما تنتظره أسرته، وما يتطلع إليه من مستقبل، ومن ثم يصنع اختياره بنفسه، ويمنح صوته لمن يرى فيه الأقرب إلى قناعته وانتظاراته؟

الجواب يخص كل مواطن ناخب، والاختيار اختياره.

لكن من حقه أن يسأل، وأن يقارن، وأن يتعرف على البرامج والحصيلة والمرشحين، سواء بالقراءة أو بالشرح والتواصل المباشر، قبل أن يكون قناعته.

ومن حقه أيضا، بعد الانتخابات، أن يعود إلى ما قيل له خلال الحملة ويسأل:

ماذا بقي من الوعود بعد الحصول على الأصوات؟

فالبرنامج الانتخابي لا يفترض أن تنتهي صلاحيته بانتهاء التصويت، والقرب من المواطن لا يقاس بعدد المصافحات والعناق في أيام الحملة، بل باستمرار الإنصات إليه بعد الانتخابات، وبمدى ترجمة الالتزامات إلى ممارسة ونتائج يلمسها في حياته اليومية.

في الحلقة الأولى من هذه السلسلة قلنا:

“السياسة، مثل سباقات المسافات الطويلة، لا تبدأ في الأمتار الأخيرة”.

واليوم، ونحن نصل إلى الحلقة الخامسة والأخيرة، ربما تكتمل العبارة على أن “السياسة لا تبدأ في الأمتار الأخيرة… ولا تنتهي عند صندوق الاقتراع”.

في 23 شتنبر سيقول المواطن الناخب كلمته.

وبعد إعلان النتائج، تبدأ مرحلة أخرى، تكمن اختبار الوفاء بما قيل، وما وعد به، وما كتب في البرامج.

فالأمتار الأخيرة تنتهي عند صندوق الاقتراع…

لكن مسؤولية السياسة والسياسيين تبدأ من هناك.

ولنا كلمة… بعد الانتخابات أيضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى